كتبت كارلا خطار في "المستقبل":
تحوّلت المواقف الإيرانية المتناقضة حول وجود عناصر من "فيلق القدس" في لبنان وسوريا، من مثيرة للجدل الى مثيرة للمخاوف، وربما أصبحت سبباً أساسياً للفلتان الأمني الحاصل في لبنان، بعدما أكّد الخبر القائد الأعلى للحرس الثوري الإيراني "باسادران" محمد علي الجعفري.. وبذلك يكون تصريحه في مؤتمره الصحافي منذ يومين، الردّ الواضح والصريح على كل رفض لمساءلة السفير الإيراني غضنفر ركن أبادي في لبنان عن المعلومات التي وردت في هذا الشأن في أيلول الماضي.
فالنفي الذي تلقاه رئيس الجمهورية ميشال سليمان من السفير الإيراني، وتجاهل وزير الخارجية اللبناني مساءلة السفير.. احتاج الى ثلاثة أشهر حتى يعترف به وللمرة الأولى مسؤول إيراني رفيع المستوى. وشمل الإعتراف العلني للجعفري تورّط عناصر من الجيش الإيراني في النزاع في سوريا، معتبرا أن "الدفاع عن سوريا هو موضع فخر لإيران"، من دون أن يقدّم وعودا بتدخّل عسكري إذا تمّت مهاجمة سوريا. وأكد الجعفري أن "أعضاء من قوة القدس موجودون أيضا في لبنان بصفة غير عسكرية".
وبذلك يكون مؤتمر الجعفري أتى بالتزامن مع إلقاء الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله الأحد الماضي كلمة له تناول فيها الأوضاع المحلية والتطورات في سوريا. وفي حين دعا نصرالله الى تشكيل "لجنة تضع خطة وطنية وبرنامجاً وطنياً لحل المشكلات"، من دون أي توضيح في شأن طاولة الحوار، بعدما أدرك الفشل الذريع لحكومته لإنشغالها بـ "النأي بالنفس"، سمح الجعفري لنفسه بأن يتحدث عن دور "حزب الله" في سوريا مفسّرا ذلك بالمساعدة، مستذكرا تاريخ العلاقة اللبنانية – السورية وحاصرا الشعب اللبناني بـ "حزب الله". ويمكن وضع مؤتمر الجعفري وكلمة نصرالله في خانة واحدة، حيث يعمد الثاني الى إلهاء اللبنانيين بتشكيل اللجنة لتناسي تورّطه مع النظام السوري والتعمية على دوره الأساسي الى جانب القاتل، فيما يطلّ الأول ليؤكد ذلك.
الغريب ليس أن يتحدث الجعفري باسم الحزب. فالأخير، وعلى حدّ قول الرئيس سعد الحريري "صنعته إيران وهي تموّله وتسلّحه"، إنما من غير المقبول أن يختصر الجعفري الشعب اللبناني بكل أطرافه وأحزابه ومستقلّيه بحزب واحد "اغتصب السلطة" ويشارك الى جانب النظام السوري في قتل الشعب السوري، في حين أن هذا الحزب مع حلفائه الممانعين يكاد لا يقارن بعدد سكان حيّ واحد في دمشق. ففي هذا الإطار، ولدى سؤاله عن دور "حزب الله" في الصراع السوري، لم يستبعد الجعفري هذا الدور ولم ينفه، قائلاً: "القوات السورية دخلت لمساعدة لبنان في الماضي، ومن الطبيعي أن يسارع الشعب اللبناني إلى مساعدة سوريا عندما تحتاج إليه". وتابع: " هذا الامر ليس مرتبطا بإيران، ونظراً لعلاقاتهما الوثيقة في الماضي، فليس مستبعداً أن يحصل ذلك".
فاللبنانيون، غير الممانعين، من الإستقلاليين والأحرار، لا يرون في دخول الجيش السوري الى لبنان قبل التسعينيات وتحت اسم "قوات الردع العربية" أي دور في الحلّ والمساعدة. فما وصل إليه لبنان اليوم هو نتيجة التدخلات السورية ونظام الأسد الأب وبعده الإبن. فشباب الجامعات منهم حتى اليوم لم يشفوا من العذاب الجسدي الذي عانوه جراء سيطرة النظام الأمني المخابراتي اللبناني-السوري لمطالبتهم بالإستقلال. كما أن القيادات اللبنانية ومنهم رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع هو أكثر من عانى من تلفيقات النظام السوري وافتراءاته، فقضى 11 سنة ونيّف في السجن.. فهل هذه هي المساعدة التي يقوم بها "حزب الله" في سوريا؟ يلاحق الأحرار، ويقتل الأبرياء، وينسّق مع إيران لإحكام السيطرة الأمنية على لبنان وسوريا؟
في هذا الإطار، علّق مستشار رئيس حزب "القوات اللبنانية" العميد المتقاعد وهبة قاطيشا على مساعدة القوات السورية للشعب اللبناني قائلا "النظام السوري لم يساعد الشعب اللبناني، إنما قتل اللبنانيين، ومؤخرا قتل قياداتهم ودمّر لهم وطنهم طيلة 15 سنة أي بين العامين 1975 و1990". وتابع "النظام السوري قتل كل القيادات اللبنانية بدءا من كمال جنبلاط وصولاً إلى وسام الحسن، كلّها مسؤول عنها النظام السوري".
ورأى قاطيشا أن تصريح الجعفري ليس مفاجئا حيث ان "النظام السوري واللواء الجعفري و"حزب الله" يشكلون حلفا حزبيا مذهبيا ضدّ الغالبية الساحقة في منطقة الشرق الأوسط". وأكّد أن "الحرس الثوري الإيراني موجود في سوريا لمساعدة النظام، وموجود في لبنان لمساعدة الحزب ضدّ تطلّعات الشعبين اللبناني والسوري".
وماذا يعني الجعفري بوجود العناصر في لبنان بصفة غير عسكرية؟ أوضح قاطيشا أن "وجودهم عسكري وغير عسكري والمقصود أنهم لا يرتدون بزاتهم الإيرانية في لبنان إنما بزة "حزب الله"، وهما بنيا تحالفهما على الأساس المذهبي في لبنان والعلوي في سوريا". وختم "لا عجب في أن يساعدوا النظام وأن يحاولوا السيطرة أيضا على لبنان".
من جهته، أشار رئيس "اللقاء المستقل" الصحافي والمحلل السياسي نوفل ضوّ الى أن "موضوع الوجود العسكري الإيراني في لبنان وفي سوريا محسوم، نحن كفريق سياسي قلنا ان هذا الوجود قائم ليس استنادا الى اتهام سياسي إنما وقائع".
ورأى أن "إيران موجودة في لبنان ليس فقط من خلال عناصر الحرس الثوري الإيراني الذين جاؤوا في أوائل الثمانينيات ودرّبوا وأنشأوا "حزب الله" وهم ما زالوا مستمرين حتى الآن في إدارة شؤون هذا الحزب ماليا وعسكريا وأمنيا وسياسيا وعقائديا ولكن وبكل أسف ان الحزب نفسه أصبح منظومة إيرانية في لبنان".
وعن اعتبار "الوجود العسكري الإيراني في لبنان مفاجئا أو اكتشافا جديدا"، قال ضو: "في الحقيقة نحن نتعاطى معه كواقع منذ سنوات طويلة". وتابع "أما بالنسبة الى وجود هذه العناصر في سوريا، فالنظام هناك ليس في وارد القدرة على احتمال ما يحصل لغاية الآن من ضغوط من جانب المعارضة والشعب لولا الدعم المالي والعسكري وبالسلاح الذي يأتيه من إيران، هذه العملية أصبحت مكشوفة وواضحة".
ورأى أن "إيران تعتبر أنها تشكل مع سوريا خطيّ دفاع عن برنامجها النووي ومجموع طروحاتها الإقليمية التوسعية سواء على صعيد النفوذ أو الجغرافيا، أما الصفعة الأساسية التي تلقتها إيران في الفترة الماضية فهي عملية إخراج الورقة الفلسطينية من يدها، وكان واضحا أن السيد حسن نصرالله أصرّ على التعاطي مع هذا الموضوع وكأن إيران لم تخسر في غزة وأنها لم تشترط على أحد أي شيء في غزة مقابل دعمها، ولكن هذا لا ينفي أن إيران من الناحية الجيوسياسية خسرت ورقة مهمة في فلسطين وها هي في طريقها الى أن تخسر ورقة مهمة في سوريا وبالتالي في لبنان".
أما بالنسبة الى تعتيم نصرالله وإضاءة الجعفري، فأوضح ضوّ أن "اعتبارات السيد المذهبية والداخلية تسمح له ببعض المناورة خدمة للإستراتيجية الأساسية التي تضعها إيران، ومن الخطأ التفكير بأن هناك تبايناً بين ما يقوله السيد والمسؤولون الإيرانيون". ورأى أنها "مسألة توزيع أدوار تتم عادة، حيث ان إيران لديها مشروع على الصعيد الإقليمي ولـ "حزب الله" قدرة، بناء على نصائح إيرانية، على التحكّم بالوضع اللبناني أو أن يأخذ في الإعتبار متطلبات الوضع اللبناني ليتمكن من إبقاء سيطرته وبالتالي السيطرة الإيرانية على الوضع".
وختم ضوّ متمنيا "أن يكون هذا التباين ناتج من حسابات السيد حسن اللبنانية ولكن بكل أسف فإن هذا التباين الشكلي الظاهري هو جزء من استراتيجية توزيع الأدوار التي تتولاها إيران، ليس لشيء إلا للإحتفاظ بالورقة اللبنانية لأطول فترة ممكنة".