سواء أكان صاروخاً من مخلفات الاحتلال الاسرائيلي انفجر في طيرحرفا أو مستودع صواريخ لـ"حزب الله"، لا تحتمل طبيعة حوادث خطيرة كهذه منطق السخرية في السياسة والأمن. مع ذلك ثمّة ما يشي في هذا الواقع باسقاط منطق التطنيش الرضائي على علاقة اليونيفيل بـ"حزب الله".
هو منطق يشبه التسليم الصامت بأن الكحل احلى من العمى، في حال ثبوت انفجار مستودع اسلحة للحزب. في مقابل الهدوء غير المسبوق منذ 2006 في الجنوب، لا بأس بغض النظر عن "وجود" مسلح ممنوع كتابياً في القرار 1701 وقائم بقوة على الارض.
يقودنا ذلك الى معادلة اخرى في الديبلوماسية. المجتمع الدولي يتعامل بخبث مماثل مع الحكومة. يسلم ظاهراً بأن الحكومة الراهنة تنأى بنفسها عن الازمة السورية، وهو المدرك تماماً بأن هذه "الكذبي مش خطيي"، لا يملك سوى ان يجاري البدع اللبنانية والتركيبات التي تمليها ضرورات العبور نحو نهاية الازمة السورية.
ترانا اذاً على مشارف قلب صفحة السنة 2012 أمام احدى غرائب الديبلوماسية والسياسة الازدواجية بمقلبين لبناني ودولي. وليس مألوفا على الاطلاق في خطاب "حزب الله" ان يتعمد زعيمه السيد حسن نصرالله الاكثار من ارسال الاشارات العلنية الى "مجتمع دولي" كان غالبا من رموز العداء للحزب وجماهيره. وها هو السيد يستشهد مراراً بأن الحكومة باقية لأن المجتمع الدولي يريدها. وها هو المجتمع الدولي بات كأنه أقنع نفسه فعلاً بأن الحكومة تلتزم قولاً وفعلاً النأي بالنفس عن الازمة السورية. وبمثل غض النظر عن الانفجارات الغامضة في جنوب الليطاني، ترانا أمام تكيّف واقعي يتجاوز "التعايش" القسري بين المجتمع الدولي و"حزب الله" وتمتد حدوده من طيرحرفا وأبعد الى الحدود وصولاً الى قلب العاصمة في السرايا. تكيّف تمليه ضرورات "الأمر الواقع" بطبيعة الحال وربما يمكن اطلاق العنان للتقدير والاجتهاد بأن مساحته أوسع من الشهور الستة المقبلة التي تنبىء بزمن النهايات الكبرى والبدايات الكبرى المتصلة بالازمة السورية والمفترق اللبناني المصيري. فكيف سيتصرف المجتمع الدولي مع الحزب و"حكومته" وبالعكس حين تنتهي فترة اختبار الاحتواء المزدوج الفريدة هذه مع بوادر سقوط النظام السوري؟
لعل أهم ما يستدعي الرصد والمراقبة في هذا السياق هو ما ستتركه هذه التجربة من بقايا النتائج والخلاصات غير المعلنة لكشف حقيقة الوظيفة التي تولتها حكومة النأي بالنفس كوسيط بين "عدوين"، وهنا تماماً تكمن كلمة السر والمرور في علاقة ناشئة على ازدواجية المعايير بين المجتمع الدولي والحزب الممسك بقرار الحكومة، حتى الآن على الأقل.