صحيحة في المبدأ هذه الجملة، لكنها حمّالة أوجه عدّة في التفصيل: "الحسم العسكري وهم" في سوريا.
الوصول إلى "شعار المرحلة" هذا عند الأسديّين وحلفائهم، ومن قال قولهم، وتبنّى فعلهم، وغطى مثالبهم ونظّر لجرائمهم، تطلّب تدمير سوريا وقتل عشرات الألوف من أبنائها، وجرح وإخفاء واعتقال أضعاف أضعاف ذلك العدد منهم، ثم تهشيل مئات الألوف من ديارهم ودفعهم الى التيه في كل أرض ممكنة، منكسري الخاطر، ملتاعين مجروحين جزعين، وان كانت كراماتهم تضرب في السماء، ونخوتهم تشرّف كل من نطق بالضاد، وعزّة نفوسهم تحاكي أمجاد التاريخ البشري من أوله الى آخره.
… تطلّب الأمر عند جلاوزة الممانعة والمناتعة اختبار كل ذلك الجحيم قبل أن يكتشفوا السحر الكامن في الوهم (وكل وهم قتّال)، وقبل أن يبدأوا في التراجع الى زاوية المنطق الأول والبديهة المثلى من أن ثورة السوريين كاملة الأوصاف وانتصارها حتمي. وأن مقولة الطاغية وأتباعه عن مواجهة "عصابات إرهابية مسلحة" لم تكن في بدئها وختامها، إلا هلوسة صافية ونقيضاً للواقع الفعلي القائل إن شعب سوريا هو الذي واجه ويواجه عصابات سلطوية أسدية قاتلة وفتّاكة، وأن الميزان بالتالي لا بد أن يركب باعتدال كفّتيه، وأن ذلك يعني انه لا توجد سلطة فوق هذه الأرض، مهما تدرّعت وتحصّنت وأجرمت وهتكت وفتكت وعربدت، يمكن لها أن تحطّم حراكاً جماهيرياً عاماً وشاملاً.
غير أن الرطن بشعار المرحلة هذه لا يخرج عن كونه جزءاً من سياق آداب السلوك الأسدية – الممانعة التي تنص في مقدمها على استخدام كل شيء وتحليل كل حرام من أجل البقاء وعدم الانكسار. وأن ذلك من عدّته، الى القتل والسحل والتنكيل الجماعي، الكذب والتزوير والبلف والخداع.
… منذ اندلاع الثورة في منتصف آذار عام 2011 حتى الأمس القريب، أي حتى مجيء الأخضر الابراهيمي إلى دمشق، كانت الجملة الأبرز على لسان بشار الأسد هي أنه "مصمم على دحر العصابات المسلحة أولاً وبعد ذلك يمكن الحوار مع المعارضة(؟)"، أي أنه كان على قناعة تامة بقصة الحسم العسكري قبل أن ينكشف المشهد على وقائع معاكسة.
اليوم يخبرنا عبر مذيعي نشراته وبياناته وخبرياته، "أن الحسم وهم".. لكن بعد فوات الأوان: المقصود من تلك الإشاعة التي أُطلقت عبر الشرع بعد طول غياب، ورددها في بيروت من ردّدها، ومن خلال طرح "مبادرات" بريئة! وحريصة "على سوريا ودم أهلها"! وادّعاء أدوار آتية من قراءات "موضوعية"… والمقصود من وراء كل ذلك هو محاولة قطع الطريق على احتمالات فعلية لتقدم قوى المعارضة المسلحة باتجاه تسجيل انتصارات حاسمة، بعد أن نجحت في نقل المعركة الى دمشق، والبدء في دكّ أسس قلاع النظام فيها.
لكن مثلما أن كل الماكينة الميدانية والإعلامية الأسدية الممانعة لم تستطع على مدى الشهور الماضية تغيير حرف واحد في المصير المحتوم، فإنّها الآن، وبعد أن انكسر ما انكسر فيها، وتهافت منطق مذيعيها ومبلّغيها، لن تستطيع تعديل المسار ولا تأجيل المصير. وهذه حقيقة صافية وليست شعراً.
"الحسم العسكري وهم" إذا كان شغل عصابات مسلحة، لكن ما يحصل في سوريا هو ثورة تامة! وشتّان ما بين الأمرين.