ما بين انفجار سلاح وذخائر "من مخلفات الاحتلال" أو مخزن سلاح وذخائر لـ "مقاومة الاحتلال"؛ تنأى الحكومة اللبنانية -وتالياً الأجهزة الرسمية- بنفسها عن واجب أساس تجاه المواطنين؛ هو حقهم في توضيح حقيقة ما يجري على أراضيهم من انفجارات تعرّض سلامتهم ومستقبلهم لخطر شديد.
وإذا كان الأصل أن حماية الأرض والمواطنين وممتلكاتهم هي أوجب واجبات الدولة حصراً، فإن بدعة: "الشعب والجيش والمقاومة" أضاعت الطاسة، لدرجة أن الناس باتت ترضى بأن تصدر الحكومة توضيحاً مجرد توضيح- يفكك ألغاز الانفجارات التي تحدث في الجنوب والبقاع… لكن "لا توضيح ولا من يوضّحون"!
لزوم ما سبق من كلام؛ هو الانفجار "الغامض" في خلة العليق عند أطراف طير حرفا (وهو الانفجار الأقرب إلى الحدود مع فلسطين المحتلة منذ عدوان تموز 2006)، صباح الأحد الماضي، إذ رغم مرور وقت كافٍ؛ لا يوجد أي بيان رسمي يشرح حقيقة ما حدث. وعليه؛ فإن محاولات تفكيك هذا "اللغز" إعلامياً تصبح هي البديل!.
ثمة فرضيتان للبحث:
ـ أن يكون الانفجار ناتجاً عن صاروخ من مخلفات عدوان 2006، كما أشاع "حزب الله" بشكل غير رسمي.
ـ أو أن يكون ناتجاً عن انفجار مخزن للذخائر يعود إلى "حزب الله"، كما أشار مصدر أمني بشكل غير رسمي أيضاً!
وبالإذن من مختار بلدة طير حرفا (مصدر غير رسمي لـ "حزب الله") فإن كلامه لا يبدو مقنعاً، إذ لو كان الانفجار ناتجاً عن صاروخ من مخلفات عدوان العام 2006، لوجب أن يتصرف هو وكافة أجهزة الدولة بوجه مختلف؛ يُظهر للإعلام بقايا هذا الصاروخ، وما أحدثه في مزرعة الدجاج التي انفجر فيها، ولوجب أن يكشف جيف الحيوانات النافقة، وبقايا البناء الصغير حيث حدث الانفجار، لا أن ينتشر عناصر "حزب الله" بضع ساعات قبل وصول "اليونيفيل" والأجهزة الأمنية الرسمية، مانعين بذلك "غير المرغوب فيهم" من الاقتراب، وعابثين بمسرح الجريمة من خلال الرجال والآلات (باعتبار أن انفجار مخلفات الاحتلال هو إضافة إلى جرائم الاحتلال)!
وعلى أي حال، فإن أشباه مختار طير حرفا ظهروا في معظم الانفجارات الغامضة التي سبقت؛ وعلى سبيل المثال لا الحصر، في خربة سلم والسكسكية وصديقين، كما في طير فلسيه (مرتين في 12/10/2009 و5/2/2012) وغيرها، بل أكثر من ذلك، فقد تورّط "حزب الله" نفسه بإصدار بيان حول انفجار النبي شيث (3/10/2012)؛ ما لبث أن ناقضه الأمين العام للحزب بعد أيام (11/10/2012)، عندما قال: "إن أي مقاومة من الطبيعي أن توزع مخازنها لأنه إذا جمعنا كل سلاحنا في عدد قليل من المخازن، يمكن اكتشافه بسهولة"، في حين كان أشار بيان دائرة العلاقات الإعلامية لـ "حزب الله" إلى أن "الانفجار حصل في مستودع للذخائر تجمع فيه القذائف والذخائر القديمة ومخلّفات القصف الإسرائيلي في المنطقة"!.
وبالعودة إلى انفجار طيرحرفا، فإنه يمكن اعتباره من وجوه عدة؛ على أنه واحد من أخطر الأحداث في الجنوب منذ العام 2006، ذلك أنه واحد من أكثر الانفجارات التي تغيّر مسرحها عمداً بعد ساعات على حصوله، كما أنه يبعد كيلومترات قليلة عن الخط الأزرق، وتالياً فإنه يقع ضمن القرار 1701، ما يعني خرق هذا القرار من الجانب اللبناني.
هذا يعني أن الحكومة التي تطالب باحترام القرارات الدولية، وعلى رأسها القرار 1701، مسؤولة عن خرق هذا القرار، من ثلاثة وجوه:
ـ السماح أو السكوت عن وجود مخازن سلاح جنوب الليطاني خلافاً لالتزاماتها الدولية.
ـ السماح أو السكوت عن وجود سلطة حزبية مسلحة تفرض طوقاً أمنياً على بقعة أرض لبنانية وتقيّد حركة الصحافيين و"غير المرغوب فيهم".
ـ التواطؤ مع السلطة الحزبية لطمس الدلائل حول حقيقة ما جرى.
وطالما أن الحكومة لم تصدر بياناً يوضح ما جرى، فهذا يعني لزاماً أن الانفجار هو خرق للقرار 1701، أي أنه انفجار مخزن سلاح وذخائر، لأن الاستنتاج البسيط يفضي إلى أن لدى الحكومة ما تخفيه عندما تتجاهل الموضوع.
بذلك؛ تعرّض الحكومة أمن اللبنانيين كل اللبنانيين للخطر- ليس لأن أضراراً مادية وأحياناً أضراراً بشرية- حدثت، بل لأنها أعطت لأي عدوان قادم نقاطاً لصالحه؛ لا ينفع أمامها التذاكي ولا التباكي أمام مجتمع دولي؛ لطالما كان لبنان يلجأ إليه في المصائب والحروب. وفي كل الأحوال فإن من حق اللبنانيين أن يسألوا حكومتهم عمن يحق له أن يأخذهم رغماً عنهم إلى مواجهة لا يريدونها، أو لا يريدونها بهذا التوقيت، أو لا يفضلونها بهذه الطريقة التي تكون فيها إرادتهم وسلطتهم مغيبة.
ثمة من يقول إن هذه الحكومة، وأي حكومة سابقة أو لاحقة، لا يمكن لها أن تتصرف إلا على هذا المنوال. هل انتبه هؤلاء إلى أن هذه الحكومة هي حكومة "حزب الله" بالذات، وأنها دون سواها- من يغطي ممارساته، بحيث لا يمكن لها أن تتنصل منها لاحقاً، بدعوى "عدم الرضا أو عدم العلم"؟! هل انتبه هؤلاء إلى أننا نعيش اليوم إرهاصات عصر "الثورة على السلاح غير الشرعي"، وأن كل الصيغ والعبارات التجميلية لبحث سلاح "حزب الله" قد سقطت، وأن المخادعة في هذا المجال لم تعد تنفع؟ وحده أعمى البصيرة -قبل البصر- من لا ينتبه إلى تغيّر النظرة إلى "فريق السلاح" في لبنان وخارج لبنان!