الخميس بعد أحد البيان ليوسف
قراءَةٌ منَ القدِّيسِ غريغوريوسَ النَّزيَنزيّ (+390) إِتَّحادٌ عجيب، تبادلٌ متناقِض بينَ اللهِ والإِنسان
خلقَ اللهُ الإِنسان. سلخَ اللهُ جسدَ الإِنسانِ منَ المادَّةِ الَّتي هو خلقَهَا، ثمَّ أَحيَاهُ بروحِهِ الخاصَّ، وهٰذا الرُّوحُ سمَّاهُ الكتابُ النَّفسَ المفكِّرَة، وصورةَ الله… وضعَ اللهُ الإِنسانَ على الأَرض، ليسهرَ على الخليقةِ المنظورَة، ويطَّلِعَ على الأَسرارِ الإِلٰهيَّة، ويتسلَّطَ على الأَشياءِ الأَرضيَّة، ويخضعَ للملكوتِ السَّماويّ… ولٰكنَّ الإَنسانَ رفضَ الطَّاعةَ وأَصبحَ مذَّاكَ مفصولًا بسببِ خطيئتِهِ عن شجرةِ الحياةِ وعنِ الفردوسِ وعنِ الله. تتطلَّبُ حالتُهُ معونةً قويَّةً جدٍّا، وهٰذا ما أُعطيَ لهُ.
كلمةُ اللهِ نفسُهُ، أَقدَم منْ كلِّ الأَجيال، غيرُ المنظور، غيرُ المدُرك، غيرُ الجسدِيّ، المُبدِىءُ المولودُ منَ المُبدِىءْ، النُّورُ المولودُ منَ النُّور، ينبوعُ الحياةِ والخلودِ ورسمُ الآبِ الإِلٰهيّ، الختم الثَّابتُ والصُّورَةُ الكاملَة، كلمةُ الآبِ القاطعةُ يتَّجِهُ إِلى صورتِهِ الذَّاتيَّة، لبِسَ الجسدَ ليخلِّصَ الجسد، ضمَّ إِليهِ نفسًا مفكِّرَةً لأَجلِ نفسي، ليُطهِّرَ المُشَبَّهَ بٱلمُشَبَّهِ بهِ، ويأْخُذَ على عاتقِهِ كلَّ ما هو بشرِيّ، ما عدا الخطيئَة. حُمِلَ بهِ في حشَا العذراءِ الَّتي تطهَّرَتْ بٱلرُّوحِ جسدًا وروحًا. إِنَّ اللهَ حقًّا هو الَّذي يأْخُذُ على عاتقِهِ الإِنسان، حتَّى إِنَّهُ ليُؤَلِّفُ كائنًا واحدًا متَّحدًا من هٰذينِ المتناقضَين، الجسدِ والرُّوحِ، الواحدُ إِلٰهيّ، والآخرُ متأَلِّه.
إِتِّحادٌ عجيبٌ وتبادلٌ متناقِض: الكائنُ يُحدَث، غيرُ المخلوقِ يقبلُ أَن يُولد، الَّذي لا يُحتَوى في حشا نفسٍ مفكِّرَة، واسطةِ العقدِ بينَ الأُلوهَةِ وكثافةِ الجسَد. المُعطي الغِنَى يُصبحُ فقيرًا، يستَعطي جسَدي ليُغنِينِي بأُلوهَتِهِ. الَّذي هو الملءُ نفسُهُ يُفرِغُ ذاتَهُ، قد أَفرغَ ذاتَهُ من مجدِهِ وقتًا ما، حتَّى أُشارِكَ أَنا في ملئِهِ. ما هٰذا الفيضُ منَ الحنان؟ ما هٰذا السِّرُّ الَّذي لي؟ كنتُ قد نلتُ الصُّورَةَ ولم أَحتفظْ بها، وهو، المسيحُ، يقبَلُ جسدي ليُخلِّصَ هٰذهِ الصُّورةَ ويُعيِدَ الخلودَ إِلى الجسد. إِنَّهُ يقومُ بمشاركةٍ ثانيةٍ أًعجبَ منَ الأُولى. فقد شاركَ بما كانَ عندَهُ منْ عالٍ، ثمَّ أَتى ليَأْخُذَ ما هو أَدنى. هٰذهِ البادرةُ الأَخيرةُ أَيضًا أَكثرُ أُلوهَةً منَ السَّابقَة، وأَكثرُ سموًّا للَّذينَ يُدركُون.
الرّسالة: روم 11: 25-36
توبة إسرائيل
25 لا أريدُ، أيّها الإخوة، أن تجهلوا هٰذا السّرّ، لئلّا تكونوا حكماءَ في عيونِ أنفسكم، وهو أنّ التّصلّبَ أصابَ قسمًا من بني إسرائيل، إلى أن يؤمنَ الأممُ بأكملهم.
26 وهٰكذا يخلُصُ جميعُ بين إسرائيل، كما هو مكتوب: "منْ صهيونَ يأتي المنقذ، ويردّ الكفرَ عن يعقوب،
27 وهٰذا هو عهدي معهم، حينَ أُزيلُ خطاياهم".
28 فهم من جهة الإنجيلِ أعداء من أجلكم، أمّا من جهة ٱختيارِ الله، فهم أحبّاءُ من أجلِ الآباء،
29 لأنّ الله لا يتراجعُ أبدًا عن مواهبهِ ودعوته.
30 فكما عصيتم الله أنتم في ما مضى، ورحمتم الآنَ من جرّاءِ عُصيانهم،
31 كذٰلكَ هم الآنَ عصَوا الله من أجلِ رحمتكم، لكي يرحموا الآنَ هم أيضًا،
32 لأنّ الله قد حبسَ جميعَ النّاس في العصيان، لكي يرحمَ الجميع.
نشيد في حكمة الله
33 فيا لعمقِ غنى الله وحكمته ومعرفته! ما أبعدَ أحكامهُ عنِ الإدراك، وطرقهُ عنِ استقصاء!
34 فمن عرفَ فكرَ الرّبّ؟ أو من صارَ لهُ مشيرًا؟
35 أو من أقرضهُ شيئًا فيردّهُ الله إليه؟
36 لأنّ كلّ شيءٍ منهُ وبهِ وإليه. لهُ المجدُ إلى الدّهور. آمين.
شرح آيات الرّسالة:
25 روم 12/16؛ 16/25؛ مثل 3/7؛ لو 21/24؛ يو 10/16.
الأمم بأكملهم: تعبير صعب التّفسير. يرى شُرّاح أنّ بولس يرجو توبة شعوب الأرض كافّة، ليؤمنوا بٱلمسيح يسوع. ويرى آخرون أنّ المعنى نوعيّ لا كمّي، بٱلنّظر إلى ملء تحقيق قصد الله الخلاصيّ، الّذي يشمل كلّ الشّعب اليهوديّ، وكلّ الشّعوب الوثنيّة (روم 11/12؛ لو 21/24).
26-27 آش 59/20-21؛ مز 14/7.
26 متّى 23/39.
جميع بني إسرائيل: لا "بقيّة" منه فحسب (11/5). ولا "بعض" منه (11/25)، بل "جميعه"، أي في مجمله، لا عدًّا أو حَصْرًا بواحد فواحد من شعب إسرائيل. يرى شُرّاح أنّ "جميع إسرائيل" هم جميع المؤمنين من اليهود والوثنيّين كافّة (راجع شرح غل 6/16). يرى بولس رابطًا وثيقًا روحيًّا لا زمنيًّا بين إيمان العالم الوثنيّ وتوبة الشّعب اليهوديّ، كما رآه بين كفر الشّعب اليهوديّ وتوبة العالم الوثنيّ.
كما هو مكتوب: يُنبئ آشعيا بتطهير كامل لشعب إسرائيل في مجيء المسيح (59/20-21). ويرى بولس أنّ هٰذه النّبوءة قد تحقّقت جزئيًّا بتوبة العالم الوثنيّ، وسوف تتحقّق كلّها بتوبة الشّعب اليهوديّ كاملًا.
27 آش 27/9؛ إر 31/33-34.
28 تث 4/37.
الإنجيل، ٱختيار: كلمتان تعبّران، في نظر بولس، عن مرحلتين من تاريخ الخلاص، بعد المسيح (الإنجيل)، وقبله (ٱختيار). فلأنّ اليهود رفضوا المسيح، صاروا أعداء الله (روم 9/22) وتحقَّقت توبة الأمم (روم 11/11). لٰكنّهم ما يزالون موضوع محبّة خاصّة، في النّظر إلى الوعود الّتي أعطيَت سابقًا للآباء (11/29؛ لو 1/55).
29 عد 23/19؛ 1 صم 15/29.
30 روم 3/25-26.
32 غل 3/22؛ 1 طيم 2/4؛ حز 18/23.
33-36 نشيد الإنسان الضّعيف المنذهل أمام حكمة الله القدير غير المدرَك في مقاصده وطرقه. يتألّف النّشيد من تعجّبين، وثلاثة أسئلة، وفعل إيمان، ومجدلة. إنّه خاتمة الفصول 9-11، وخاتمة القسم الأوّل من الرّسالة كلّها (1-11).
33 مز 139/6، 17-18؛ آش 45/15؛ 55/8؛ حك 17/1.
34 آش 40/13؛ أي 15/8؛ إر 23/18؛ 1 قور 2/11.
35 أي 41/3.
36 1 قور 8/6؛ قول 1/16-17؛ عب 2/10.
الإنجيل
يو 7: 31-36
يسوع يعلّم في الهيكل
31 وآمنَ به من الجمعِ كثيرون، وكانوا يقولون: "عندما يأتي المسيح، أتراه يصنعُ آياتٍ أكثر من الّتي صنعَها هٰذا؟".
32 وسمِعَ الفرّيسيّون ما كان يتهامَس به الجمعُ في شأن يسوع، فأرسلوا هُم والأحبار حرَسًا ليقبضوا عليه.
33 فقال لهم يسوع: "أنا معكم بعدُ زمنًا قليلًا، ثم أمضي إلى مَن أرسَلَني.
34 ستَطلبونَني فلا تجدونَني، وحيثُ أكونُ أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا".
35 فقال اليهود بعضهم لبعض: "إلى أين ينوي هٰذا أن يذهب، فلا نجِدَهُ نحنُ؟ هل ينوي الذّهاب إلى اليهود المشتّتين بين اليونانيّين، ويُعلّم اليونانيّين؟
36 ما هٰذه الكلمة التي قالها: ستطلبونّني فلا تجدونَني، وحيث أكونُ أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا؟".
شرح آيات الإنجيل:
31 يو 2/11، 23؛ 8/30؛ 10/42؛ 11/45؛ 12/11، 42.
33 يو 13/33؛ 16/5.
34 تث 4/29؛ هو 5/15؛ آش 55/6؛ إر 29/13؛ مثل 1/28؛ يو 8/21؛ 13/36؛ 17/24.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (زمن الميلاد المجيد جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1977).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.