في الإطلالة "الأخباريّة" قبل أيّام، أطلق السيّد فاروق الشّرع مواقف، أقلّ ما يمكن وصفها بأنّها تجافي المعلن الرّسمي الذي تصدّره الإدارة السوريّة، والذي يفترض أن يعبّر عن اقتناعات الرئيس السّوري وتوجّهاته وتوجيهاته في ما خصّ الأزمة في بلاده.
هذه المواقف ضربت تماماً صدقية بعض الذين يدافعون عن النّظام في سوريّا بحجج واهية، ويستميتون في إنجاب مبرّرات لا تمتّ للموضوعيّة أو للواقع بصلة. أمّا سبب تنطّحهم فيعود الى اقتناع مصيريّ بأنّ النّظام إذا تهاوى، فسوف يتهاوى معه حتماً، درعهم المحصّن والواقي لمصالحهم واستمراريّتهم المشرئبّة على السّاحة السياسية اللبنانيّة.
لقد تحدّث السيّد الشّرع، في ما تحدّث، عن عدم قدرة السّلطة على الحسم لمصاحتها، بالرّغم من أنّ الرئيس يميل أو يفضّل الحلّ الأمني، ويعوّل عليه لاستعادة السيطرة على التراب السوري، ولإنهاء حالة التمرّد الإرهابي، كما يوصّفها. وأشار الشّرع كذلك الى أنّ الحراك في الشّارع بدأ سلميّاً ومنادياً بالإصلاح، وقد حوّله ردّ فعل الحكم الدّموي الى حركة ثوريّة مسلّحة. كما تطرّق الى استحالة استمرار الوضع الرّاهن الذي يشلّع الكيان السوري، وبالتالي ينبغي التوصّل الى توافق سياسي لا يستثني أحداً.
لن نتوقّف عند المقارنة بين ما ورد في تصريح السيّد الشّرع وبين مواقف الأفرقاء اللبنانيين المنخرطين في القضيّة السوريّة، بل عند خلفيّة التصريح بالذات. لذلك نرانا أمام احتمالات ثلاثة:
فإمّا أن يكون الشّرع قد شكّل حالة إنفصاليّة مستقلّة عن السلطة، وهذا مردود لسببين، أوّلهما أنّ الشّرع لا يزال في بلاده ويمارس مهامه الرسميّة الى جانب الرئيس، ولو بالحدّ الأدنى، وثانيهما أنّ الصّحيفة التي أجرت المقابلة معه هي جريدة "الأخبار" المعروفة الهوى والميل والإنخراط، والمدافعة بشراسة عن الصّواب الرسمي السوري، بحيث لن ترضى بأن تكون جسراً لتمرير أيّ إشارة تضيء على تهالك النّظام والأخطاء في تصرّفاته، ولاسيّما إذا كانت صادرة عن أحد أركانه ورموزه.
أمّا الإحتمال الثّاني فيسوده الإعتقاد بأنّ مواقف الشّرع متّفقٌ عليها مع الرئيس نفسه، والذي يريد بالواسطة، أن يمرّر رسالة الى المعنيّين بالشأن السوري في الخارج، مفادها أنّ الباطن عنده هو غير الظّاهر المعلن، وبالتالي فهو مهيّأٌ لتقبّل مشروع حلّ تسوويّ يكون هو أحد طرفيه. وهذا يعني قبول الرئيس بحلّ سياسيّ يأخذ بالإعتبار وقف حمّام الدم، والحفاظ على ماء وجهه، ويضمن عدم حصول ردود فعل إنتقاميّة تستهدف العائلة أو الطّائفة. وهذا الإحتمال مرهون باقتناع القوى الفاعلة الدوليّة والإقليميّة بصدقيّته، وبالتالي بقدرتها على إقناع الضحيّة بأنّ الذّئب الضّاري سوف يحضن الحَمَل المشلّع، وبأن الجزّار ألقى بسكيّنه ورفع غصن زيتون. ذاك ما ترفضه قوى المعارضة التي تنادي، وعلى لسان أطيافها، برحيل الرئيس وبمحاكمته.
أمّا الإحتمال الثّالث فهو أن يحمل كلام الشّرع رسالة مبطّنة بأنّه يقبل أن يرئس حكومة إنتقاليّة تنهي سفك الدم، وتمهّد لإنتخابات ديمقراطيّة على صعيدي مجلس النوّاب والرئاسة، ما من شأنه أن ينقل سوريّا الى زمن جمهوريّة جديدة تطوي سلطة التوتاليتاريّة الى غير رجعة. في ظلّ هذا الإحتمال، تبقى الإشكاليّة: مَن يضع مَن في الإقامة الجبريّة، الشّرع أم بشّار؟