كتبت ريتا صفير في "النهار"
يواجه لبنان أزمة نزوح مزدوجة. واحدة سورية تجري على وقع تطور الاحداث الامنية في دولة الجوار، وثانية فلسطينية بلغت اوجها مع الصراع المحتدم في مخيم اليرموك. وبالتزامن مع التحذيرات من تفاقم تداعيات عسكرة النزاع على الجوار، والتي جسدها التنبيه الاخير الذي اطلقه الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون، كانت المنظمة الدولية تطلق عبر وكالاتها في جنيف نداء انسانيا عاجلا لتوفير مليار دولار للمرحلة المقبلة، بغية تلبية حاجات مليون لاجئ سوري في لبنان والاردن والعراق وتركيا ومصر في النصف الاول من 2013. اما العنصر الجديد في الخطة التي طرحت تحت شعار "الاستجابة الاقليمية للاجئين السوريين" الذين فروا الى لبنان، فهو تقديمها دعماً لنشاطات وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين وتشغيلهم "الاونروا".
267 مليون دولار هو المبلغ المخصص لحاجات لبنان في هذا المجال، انطلاقا من الاستراتيجيا التي تقدمت بها الحكومة اللبنانية. واذا كان ملف اللاجئين شهد الى حد ما "انفجارا" في الاشهر الاخيرة، على وصف ممثلة مفوضية اللاجئين التابعة للامم المتحدة نينيت كيللي، فان وجود ما يقارب 160 الف لاجئ على الحدود في غياب اطار استجابة محدد شكل تحديا في ذاته بالنسبة الى البلاد التي تعاني اصلا وضعاً سياسيا واقتصاديا واجتماعيا هشاً: "لقد استقبل لبنان لاجئين اكثر مما يمكن أي بلد في العالم تقبله" تقول في لقاء مصغر في مركز المفوضية في الجناح، "وفي حالات عدة، لكان استدعى هذا الوضع حال طوارئ وطنية، خلافا لما حصل هنا، حيث تم استيعاب هؤلاء في المنازل وضمن المجموعات المحلية على رغم الصعوبات. من هنا، تأتي اهمية خطة الحكومة التي تعزز قدرتها على الاستجابة في حال الازمات".
عمليا، شهد اجتماع جنيف اقتراحات للمسؤولين الامميين والمنظمات المدنية حددت الحاجات الانسانية لدول الجوار السوري وكيفية الرد على المتطلبات الانسانية في اماكن النزاع. ووقت شكلت مسألة ايجاد ملاجئ كافية احدى المسائل الدقيقة التي تواجهها وكالات الامم المتحدة في لبنان، فان تراجع عدد العائلات الراغبة في استقبال هؤلاء في المرحلة الاخيرة، وتحول نحو 60 في المئة من اللاجئين الى استئجار مساكن، ضاعف المشكلة ولا سيما ان عددا كبيرا من هذه المنازل غير مجهز للشتاء. وقد حتم هذا الواقع تواصل العمل على تحديد ابنية وملاجئ جماعية، بحسب كيللي التي تتحدث "عن ثغرة نسعى الى سدها في هذا الشأن، الى تحد آخر يتمثل في توزع اللاجئين على امتداد البلاد وتحديدا على 600 بلدة". وفيما تلقى الاخبار عن وجود عناصر من "الجيش السوري الحر" في لبنان صداها لدى وكالات الامم المتحدة التي تسعى الى التأكد من الهوية المدنية للاجئين عبر آليات التسجيل المعتمدة والمقابلات التي تواكبها، فان بروز شكوك في هوية اللاجئ غالبا ما يدفع بأجهزة المنظمة الدولية الى التراجع عن ادراجه على اللوائح، علما ان الاعداد التي ادرجت ضمن هذه الخانة تبقى قليلة: "75 في المئة من المسجلين هم نساء واطفال. كما ان 20 في المئة من اللاجئين دخلوا البلاد عبر معابر غير شرعية وثمة مفاوضات مع الامن العام لتطبيع وضعهم". ويبقى ان لبنان يحضن اليوم العدد الاعلى من اللاجئين السوريين بين دول المنطقة، فيما تفيد توقعات 2013 بالتحضر لاستقبال 300 الف، انطلاقا مما تتضمنه السيناريوات التي يتواصل العمل عليها والتي لا تستثني ايضا اقامة مخيمات اذا ما دعت الحاجة.
فلسطينياً، استرعى الانتباه تضمّن خطة الحكومة اللبنانية 13٫293٫529 دولارا لـ"الاونروا"، في وقت يتواصل السعي الى دمج الاقتراحات والمتطلبات في مشروع واحد كما تشرح ممثلة "الاونروا" في لبنان السفيرة الأسوجية السابقة آن ديسمور والتي تعول على تظهير صورة اوضح عن حاجات اللاجئين ككل في المرحلة المقبلة. وبينما يتركز وجود الفلسطينيين القادمين من سوريا حاليا في المخيمات ولا سيما في الجنوب وبيروت، شهدت الايام الثلاثة الاخيرة تدفقا قدّر بمعدل نحو 3 آلاف لاجئ وفقا لـ"الاونروا" ومعظمهم من اليرموك، ليبلغ عدد المسجلين 13 ألفاً. وتساهم سفارة فلسطين في دعمهم عبر سعيها الى توفير مخصصات مالية لهم.
في اي حال، تقر الديبلوماسية الأسوجية بصعوبة مراقبة الاعداد، ولو ان اقامة هؤلاء تتم بموجب تأشيرة تجدد شهريا. وهي تعول، على غرار كيللي، على بلورة صورة اوضح في الفترة المقبلة انطلاقا من الخطة الرسمية التي من شأنها اظهار ما قدمته الجهات المانحة حتى الآن والثغر القائمة بالتزامن مع تعزيز خطة الطوارئ التي تبقى بمنأى عن اي تغيير حكومي محتمل باعتبارها ترتكز على اسس انسانية.