… وأخيراً «إستحقَّها» «حزب الله». فلتان الحدود خطِر، وتدفُّقُ اللاجئين والجهاديين السوريين والفلسطينيين يكاد يخلط الأوراق. إنه الندم الأول لـ «الحزب»: «ليتَنا سمِعْنا» من 14 آذار وضبطْنا الحدود قبل اليوم!…
في تقدير الأمم المتحدة أن 100 ألف فلسطيني من أصل 150 الفاً غادروا مخيم اليرموك. وقال أمس ممثل حركة "فتح" في سوريا إن فشل الجهود "لإخلاء المخيم من المسلحين في مهلة 24 ساعة سيؤدي إلى تدمير المخيم بكامله".
هذا يعني أن فلسطينيي اليرموك جميعاً سيغادرونه في الساعات والأيام القليلة المقبلة، وفي شكل طارئ وجماعي. لكن العدد الحقيقي للفلسطينيين في المخيم ليس 150 الفاً، حسب تقدّيرات الأمم المتحدة، بل هو وفقاً لتقديرات فلسطينية من داخل اليرموك يقارب الـ300 ألف. وفي الجوار السكني السوري المتداخل مع المخيم، هناك أكثر من 200 ألف سوري. والبعض يعتقد أن العدد الحقيقي للسوريين هناك يفوق عدد الفلسطينيين. وهؤلاء الفلسطينيون والسوريون ينزحون معاً.
والحدود اللبنانية هي الأقرب والأسهل منالاً لهؤلاء، عدا عن أنّ الفوضى على نقاط الحدود الشرعية وغير الشرعية لا مثيل لها في الأردن، البلد الثاني الذي يمكن أن يتوجه إليه نازحو اليرموك. فهناك، ما زال طيف "أيلول الأسود" 1970، الذي نفّذه الملك الراحل حسين جاثماً في الذاكرة. أما في لبنان… فلا ذاكرة!
…وهكذا، وأخيراً، "إكتشف" الفريق الحليف للنظام السوري أن فلتان الحدود خطِر فعلاً. لكن وزير الطاقة جبران باسيل نسي أن فريقه السياسي هو الذي يرفض ترسيم الحدود، وهو يبرّر فلتانها. وهو قفز من فوق كل هذه الحقائق ليطالب، دفعة واحدة، بإقفال هذه الحدود! فالأمواج من النازحين السوريين والفلسطينيين بدأت تنذر بخلط أوراق في الداخل.
وتبيَّن لحلفاء النظام أن هناك هواجس حقيقية من بروز كتلة سكانية ناقمة عليهم بدأت تنمو في مناطق شمالية وبقاعية، هي أساساً معادية لهم وللنظام.
كذلك تبيّن لهؤلاء أن هناك هواجس حقيقية من إنقلاب السحر الفلسطيني في لبنان على الساحر الدمشقي. فالقادمون من اليرموك سيرفدون الكتلة السنية المعادية للنظام وحلفائه، وسيرفدون المخيمات أيضاً، من عين الحلوة إلى البداوي وسواهما.
ولكن الأخطر من ذلك، ربما يكون الدعم الذي سيقدمه هؤلاء إلى الحضور الفلسطيني خارج المخيمات. مثلاً التحصينات الهائلة والترسانة والأَنفاق التي أشرف النظام نفسه على حفرها في الناعمة وتلالها لتكون له ولحلفائه متراساً متقدماً يهدِّد فيه خصومه اللبنانيين. ومثلاً، المربع الأمني الفلسطيني في البقعة المتداخلة فوق الأرض وتحتها في قوسايا والحدود اللبنانية – السورية.
فالفلسطينيون الذين باتت قياداتهم جميعاً خارج القبضة السورية، ما عدا قلائل لا يمثلون أحداً، تحوَّلوا اليوم أعداءً للنظام السوري في سوريا ولبنان.
فماذا سيفعل "حزب الله" من معقله في الضاحية مع تلال الناعمة؟ وماذا سيفعل، هو والنظام، بقوسايا؟ وبعين الحلوة ومحيطها المتجانس معها، أو سواها كثير في الشمال والبقاع والعاصمة؟
أن يطالب اليوم "حزب الله" وحلفاؤه بإقفال الحدود، فذلك مستحيل عملياً لدواعٍ سياسية وإنسانية. وأما أن يطالبوا بضبط الحدود، فالأرجح أنهم تأخّروا كثيراً. وعلى طاولة الحوار قرار فريق 14 آذار بقي يصارع لتنفيذه، فيما بقي النظام و"حزب الله" يماطلان لعدم تنفيذه، وهو يقضي بترسيم الحدود. وهذا القرار أيضاً فاته القطار. وربما إنقلبت الأدوار اليوم. فبعض الذين كانوا يريدون جدياً ترسيم الحدود وضبطها ربما لم تعُد لهم مصلحة في ذلك اليوم. ومَن يفكِّر جيداً يدرك ذلك. وأما السلاح الفلسطيني في داخل المخيمات، وفي خارجها خصوصاً، فكان النظام وحلفاؤه مستعدين لمنع أي محاولة لنزعه، أياً كان الثمن، لأنه كان السحر الذي يتّكل عليه الساحر!
حتى اليوم، قد لا تكون هناك مشكلة لدى النظام ما دام لبنان هو الذي ستهدده النار. لكن حلفاءه اللبنانيين يراجعون حساباتهم… متأخرين كثيراً. وبدأ "حزب الله" يكتشف أن ترسيم الحدود وضبط المعابر ذهاباً وإياباً على الحدود هو مصلحة له أيضاً، وقبل أيّ كان. وبدأ "الحزب" يندم على المناورة لعدم حسم ملف السلاح الفلسطيني داخل المخيمات وخارجها: هو يندم أمنياً، ويندم سياسياً… ومذهبياً، والبقية تأتي مع تطوّر النزاع في سوريا. فما من خطأ إلاّ ويَستتبِع خطأ أكبر منه. وغالباً ما يدفع صاحب الخطأ ثمنه أولاً.