ليس مفاجئاً لوزير وعد اللبنانيين بـ"إصلاح" الواقع الكهربائي في لبنان ولم يفِ، أن يقترح إقفال الحدود في وجه النازحين والهاربين الفلسطينيين من نظام الأسد القاتل… وإن كان التراجع أمام تحديات على المستوى الوطني بهذه البساطة، لما احتاج لبنان إلى حكومة ووزراء من المفترض أن يديروا شؤون البلاد والعباد.
واضح إذاً أن وزير الطاقة والمياه والصهر العوني المدلّل جبران باسيل، لا يملك أي خطة لمواجهة أي مشكلة أو صعوبة أو تحدّ. فلو قاس الوزير قراراته على نفسه وعائلته لوجد أن أفكاره وحلوله غير مجدية، لا بل غير قابلة للنقاش، حيث أنها بعيدة كل البعد عن الشعور الإنساني. لأمثاله يتناسب القول "إذا كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب".
الحملة المبرمجة لإقفال الحدود ومحاصرة الشعب السوري واللاجئين الفلسطينيين استكملها اليوم وزير الخارجية عدنان منصور بدعوته الفجّة الصريحة إلى مواجهة النازحين وإقفال الحدود بوجههم وأكثر من ذلك إعادتهم إلى سوريا.
ليتذكر معالي الصهر، مثلاً، حين هرب من منزله عند انقطاع الكهرباء يوم عيد مولد زوجته ولم يتمكن من الاحتفال معها… وليتذكّر الشعور "اليائس" الذي اختلجه حين وجد نفسه يخبر اللبنانيين مباشرة في مؤتمره عمّ عاناه في "مسيرة الهروب". وليتذكّر كيف فتحت الحدود السورية أمام ألوف اللبنانيين الذين نزحوا من لبنان الى سوريا في حرب تموز 2006. فكيف بالحري أن يهرب مواطنون من مصير محتّم بالموت على يد عصابات بشار الأسد الذي يدعمه مع عمّه وتيارهما في مواجهة إرادة الشعب السوري وحقّ اللاجئين الفلسطينيين في العيش بسلام؟
غير أن باسيل الذي ينادي بإقفال الحدود في وجه المظلومين، لم يفكّر مثلاً بأن إقفال الحدود وضبطها قد يشكّل ربّما عائقاً في وجه المقاتلين الممانعين والمجاهدين الذين يدخلون سوريا للقتال الى جانب النظام الأسدي، أم أنه يريد حدوداً مفتوحة في وجه الديكتاتوريين ومقفلة في احتضان الحالات الإنسانية؟ وهل تذكّر باسيل الحدود اليوم متناسياً صرخات قوى 14 آذار بنشر قوات دولية على الحدود مع سوريا لضبطها ومنع دخول المسلّحين والعابثين بالأمن؟
سكت الوزير عن الحقّ وتغاضى عن القانون حين كان يلزم حماية لبنان وتطبيق سياسة النأي بالنفس الفعلية. سكت عن الحدود المفتوحة منذ محاولة اغتيال النائب مروان حمادة الى اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن مروراً بكل شهداء قوى 14 آذار… كلّهم استشهدوا لأن الحدود مشرّعة، فهل على فلسطينيي مخيّم اليرموك أن يقضوا في الداخل السوري لأن الحدود ستُقفل؟ وهل باسيل مستعدّ لإقفال الحدود تماماً، أي حتى أمام زيارات عمّه الى قصر المهاجرين؟ أم أن الواقع اليوم هدَم القصور وترك المهاجرين لمصيرهم؟
الواقع يضع باسيل اليوم أمام مسؤولياته. ويتطلّب منه أن يحضّر بعض "الخطط" ليطرحها في الجلسة التي ستخصص لبحث قضية النازحين، خصوصاً وأنه تلقى معارضة من رئيسي الجمهورية والحكومة ووزراء الحزب "التقدمي الاشتراكي".
وقصة الحدود مع الوزير الصهر طويلة، فحكومته لم تطبّق ترسيم الحدود، كما أن الحدود ألغيت "لاعتبارات إنسانية" حين وافق رئيس حكومته على دخول وزير داخلية بشار الأسد عبر المطار. وبفضل وقوفه مع تياره في صفّ الممانعة، ووجوده في حكومة تدّعي النأي بالنفس، ألغيت الحدود الجغرافية بين لبنان وسوريا. وخطة الوزير، أو فكرته، لأنها أبعد ما يكون عن الخطة، ربّما ناجمة عن خوف يتملّكه من أن تنقلب عليه الطاولة رأساً على عقب وتقفل طريق الممانعة أمام مصالحه، بعد سقوط نظام الأسد.. حينها سيقفل اللبنانيون كل الأبواب في وجهه وسيفقد باسيل فعالية العبارة السرية "افتح يا سمسم".. فلن يبقى أمامه سوى الهروب في بواخره التي يريد استقدامها الى لبنان!
عن تحوّل أهداف النزوح من انسانية إلى سياسية، لفت عضو كتلة "المستقبل" النائب عمّار حوري إلى أن "كلام جبران باسيل يعكس انعدام الخبرة، وانعدام الانتماء الوطني خصوصاً وأنه يدعو الى التقوقع وإلى عزل لبنان دولياً وعربياً". ورأى أن "إقفال الحدود لا يحمي لبنان كما يعتقد الوزير، ولكن هذا الإقفال يعكس العقلية المقفلة والمتقوقعة لما يمثّله جبران باسيل".
وعلّق حوري على معارضة فكرة باسيل قائلاً: "حسناً فعل بعض الوزراء حين تصدّوا لهذا الطرح". طالب الوزير بأن "يعمل بمقدار واحد بالمئة ممّا يتكلّم عنه، لأن أداءه في كل الوزارات التي تعاقب عليها كان يتّسم بالثرثرة السياسية ومن دون إنتاج فعلي، مطلقاً وعوداً لم ينفّذها ومتّهماً الآخرين متعامياً عن "حردبّته".
وهل تتوقعون أن يقدّم باسيل أي خطة في هذا الإطار؟ أجاب حوري "الوزير باسيل لا يملك أي خطة، لا في مشكلة الكهرباء ولا في أي وزارة استلمها، وحتى حين يوحي بأن هناك خططاً معيّنة يتبيّن لاحقاً أنها خاطئة وتحتاج إلى إعادة نظر". وشدد على أن "الجميع يعوّل على جهد الوزير وائل أبو فاعور الصادق والنشيط، وعلى تجاوب الدولة المهتمة بدعم لبنان لمواجهة هذه الاحتياجات".
من جهته، أشار عضو المجلس السياسي في حزب "الوطنيين الأحرار" فيليب معلوف الى أن "باسيل قدّم اقتراحاً بإقفال الحدود بالمطلق وليس فقط في وجه النازحين، حيث إن هدفه إقفال الحدود"، وردّ على الوزير قائلاً: "نحن نقول إنه إذا كان هدفه بالفعل إقفال الحدود، ذهاباً وإياباً وبما فيه في وجه سياسيي 8 آذار، فنحن نوافق".
أضاف: "نحن بالفعل نطالب بإقفال الحدود لمنع سياسيي 8 آذار من سلوك طريق الشام السياسي". وتابع: "إنما إذا كان الهدف إقفال الطريق في وجه الحاجات الإنسانية فنحن ضدّها"، موضحاً: "نحن لا نعوّل على هذه الحكومة التي تنأى بنفسها عن أداء واجباتها الوطنية والسياسية في كل مجالاتها". وختم ساخراً: "ألم يلاحظ اللبنانيون البواخر التي "شعشعت" لبنان؟"، آملاً أن "يتم استقدام أسطول بدلاً منها كالأسطول الروسي لإجلاء مَن يجب إجلاؤهم وإراحة اللبنانيين منهم".