هناك فارق كبير بين مقاربة ملفّ النازحين انطلاقاً من كونه يشكّل تحدّياً إنسانياً واقتصادياً وأمنياً تقتضي معالجته، وبين فبركة سيناريوهات مؤامراتية مفادها أنّ هذا النزوح مبرمج لوضعه في مواجهة «حزب الله» تمهيداً لنزع سلاحه.
الهواجس التي يطرحها ملف اللاجئين السوريين والفلسطينيين سببها الرئيس غياب السيادة الوطنية ومصادرة "حزب الله" للقرار السياسي اللبناني وإصراره على إبقاء الحدود سائبة، الأمر الذي حال دون تشييد مخيّمات على الحدود ضمن بقع جغرافية محدّدة على غرار تركيا، وبالتالي حصرهم في إطار محدّد بدلاً من انفلاشهم على مساحة الجغرافية اللبنانية.
فما بين الانتهاكات السورية المتكرّرة للحدود اللبنانية على خلفية انتقامية للنظام من السوريين الهاربين من بطشه وعنفه، وبين امتثال "حزب الله" لرغبة حليفه السوري برفض نشر الجيش اللبناني على الحدود، كما حاجة الحزب لإبقاء هذه الحدود ممرّاً لسلاحه ومقاتليه، أدخل ملف النازحين في فوضى ما بعدها فوضى، وهو مرشّح للتفاقم في ظلّ العجز الحكومي الفاضح والمقاربة القاصرة لهذا الملف الانساني بالدرجة الأولى.
ومن هنا فإنّ التمييز ضروري بين الفشل في إدارة هذا الملف الحسّاس للأسباب المنوّه عنها أعلاه، وبين ألّا يقود هذا الفشل أو التذرّع به لإقفال الحدود أمام النازحين في خطوة منافية لدور لبنان التاريخي ولطبيعة الشعب اللبناني "المضياف" للشعوب المقهورة والمتعاطف مع القضايا الانسانية، والأهم أنّ إقدامه على أيّ خطوة مماثلة تجعله في حلّ من التزاماته الدولية وتساهم في قتل الشعب السوري وتضعه في مصاف الدول الإرهابية.
وفي هذا السياق لا يمكن تفسير مطالبة وزير في الحكومة اللبنانية بإقفال الحدود أمام النازحين إلّا كونها تلبية لخدمة مزدوجة: النظام الذي يريد ابتزاز المعارضة وأخذ الشعب السوري رهينة، و"حزب الله" الذي هو أساساً كناية عن تركيبة أمنية مطعّمة سياسيّا، ويضع الهواجس الأمنية على رأس سلّم أولوياته، وتحديداً في المرحلة الأخيرة التي شهدت خروج "حماس" من محور الممانعة وتشهد بداية سقوط حليفه السوري، ويخشى من أن يشكّل التدفق السوري والفلسطيني المعبّأ أصلاً نتيجة أوضاعه والاحتقان السائد حالة عسكرية قتالية في مواجهته، خصوصاً في ظلّ الانتماء السنّي للنازحين وصعود التيارات الإسلامية والتعبئة المتواصلة.
ولكنّ هذه الهواجس المبنية على تخيّلات وهمية، فضلاً عن الفبركة السياسية – الإعلامية المؤامراتية التي كلّف بها الحزب حليفه المسيحي للتصدّي لها حرصاً منه على الابتعاد قدر الإمكان عن الاحتكاك السنّي – الشيعي، تفتقد إلى الصدقية للأسباب الآتية:
أوّلاً، النازحون في معظمهم كي لا نقول جميعهم، هم من الفئة التي تريد "السترة" والحفاظ على أرواحها هرباً من آلة القتل.
ثانياً، الفئة المقاتلة تعتبر أنّ من أولوياتها مواجهة النظام السوري والتصدّي له وإسقاطه لا "الهروب" إلى لبنان أو غيره.
ثالثاً، القيادة الفلسطينية تعتمد سياسة النأي بالنفس الفعلية عن المشاكل الداخلية التي تحيط بالبلاد التي يتواجد الفلسطينيون فيها، لأنّ أولوية هذه القيادة الحفاظ على أمن شعبها وسلامته ومنع أيّ كان من استخدامه أكياس رمل لغاياته ومصالحه، ويكفي في هذا الإطار الإشارة إلى حماس حليفة النظام سابقاً والتي رفضت التحوّل إلى شبّيحة من شبّيحته.
فكلّ الكلام عن دخول فلسطيني مسلّح وغير مضبوط إلى لبنان هدفه واحد أوحد هو إبقاء وإحياء النعرة اللبنانية حيال الفلسطينيّين لحرف الأنظار عن المشكلة الأساسية المتمثّلة بالنظام السوري، والمعضلة الأكبر التي تتجسّد بسلاح "حزب الله". فالقضية الفلسطينية عادت مع "ابو عمار" إلى فلسطين وأيّ كلام آخر هو للاستهلاك والتعمية عن الهيمنة الإيرانية.
رابعاً، المجتمعان العربي والدولي ليسا بوارد إعادة لبنان ساحة، لا بل همّهما يتركّز على تحييده عن الأزمة السورية وإبقاء حرارة ساحته باردة لا ساخنة.
