Site icon Lebanese Forces Official Website

في المغارة… (بقلم فيرا بو منصف)

كيف أقول…دعني أسكن المغارة؟ ليس لاني متواضعة. لست كذلك، وليس لاني أنشد الزهد في العيش، أبداً فأنا احبّ الرفاهية، وليس هرباً من الضوضاء والناس، على الاطلاق فأنا أعشق الناس وصخب الحياة، وأكيد ليس لاني أكره المال والجاه، فهما غبّ الطلب… لكن وعندما يحين ميلادك تتغير الاولويات، ولا أعود اعرف أي سحر هذا يأخذني الى غير عالم.

الى الانسان المغمور فيّ، الى الحنان المقنّع بالقسوة، الى الرأفة المغلفة بالكبرياء، الى الايمان البريء النظيف المغمور بجنون الوقت. دعني أتلمّس سرير القش فهو أنعم أنعم من الحرير، وأمرر أصابعي فوق وجهك. هذا كثير أعرف وأبعد مما أستحق، ولكن حسبي أن أطلب وحسبك أن تستجيب، هذه عادة البشر وهذه عادتك معهم. من حولك يتحلّق الحلم. الرعيان، المجوس، الخراف، العذراء مريم، يوسف البتول، وتحوم أحلامنا غير المحققة بكل ما هو جميل ومشع وأنيق وطفولي.

ثمة ضوء لا تفسير له، ضوء يحيط بكل الحكاية، حكاية الميلاد. ما ان يهلّ كانون حتى يجن فينا الحنان وكأنه اسطورة، اسطورة لم نعرفها من قبل ولن نعيش بالتأكيد خيالاتها في ما بعد، بعد انتهاء زمن الميلاد.

انظر الى المغارة المتواضعة حيث ترقد والدنيا ثلج وفي القلوب الكثير من الخوف والضعف والتراجع، كيف لطفل أن يغير وجه العالم، ويجتاحه بسلاح فتاك عابر لكل الظلامات، ولذاك السلاح الاخر المضاد القاتل، الحقد؟ كيف لطفل أن يحمل هذا القدر الهائل من المحبة ليجعلنا أطفالا بحبه وصغارا بأحقادنا؟

الآن زمن الميلاد، فيروز تعيّد الليل والدنيا تلج تلج عم بتشتي الدنيي تلج، الناس يغمرهم الصخب العجقة، هدايا وزينة وأطايب وكستنا وحبش، نحن نتبارى من سيصمم مغارة افضل من الاخر، نحن نصمم لك منزلك ولا نسكنه، وانت تحت ذاك الضوء الاصفر الباهت ضوء المغارة المتواضعة، ترقد الى سرير القش بهدوء تراقب ما يجري، كثر يحتفلون بميلادك، واخرون، قلّة، يحتفلون بك وحدك، يطعمون جائعا، يروون عطشانا، يزورون مريضا يلملمون بردانا من صقيع الطريق، يضمدون جرحا، أي جرح لا يهم المهم انه فقط لاجل اسمك. اذا لم أفعل كل ذلك، كيف ستسمح لي أن أسكن المغارة انا المحتفلة بكبريائي قبل طفولتي بزينتي قبل عينيك؟

يا ساكن المغارة وأنت تحوم فوق القلوب الهائمة بحبك، الفح وجه هذه الارض برياح قوية عاتية عاصفة، واصفعها بالمحبة والبراءة، ببعض من ضوء المغارة الباهت حيث ترقد، علّ الضوء يبهرها وعلها تعود الى براءة البدايات، وتستفيق من غيبوبة الكراهية…علها.

Exit mobile version