استقبل البطريرك الماروني الكاردينال مار بشاره بطرس الراعي، قبل ظهر اليوم في بكركي، قضاة المحاكم المارونية والعاملين فيها برئاسة المطران المشرف على العدالة حنا علوان ورئيس المحكمة الابتدائية الموحدة المونسنيور نبيه معوض، في حضور المطرانين رولان ابو جوده والياس نصار، للتهنئة بعيدي الميلاد ورأس السنة.
تمنى البطريرك مار بشارة بطرس الراعي أن يكون الميلاد ميلادنا نحن إنسانا جديدا بالمسيح، وأن تكون السنة الجديدة سنة سلام في لبنان وبلدان الشرق الأوسط.
واضاف خلال استقباله قضاة المحاكم المارونية والعاملين فيها : "إن عملكم القضائي يندرج في إطار "سنة الإيمان"، وتطبيق الإرشاد الرسولي: "الكنيسة في الشرق الأوسط، شركة وشهادة"، وسينودس الأساقفة حول الإعلان الجديد للانجيل في عالم طالت فيه المسافة الفاصلة بين الإنجيل والحياة اليومية، وبين الثقافة الانجيلية وتيارات الاستهلاكية والنسبية والعلمنة السلبية. فأنتم تخدمون العدالة باسم الكنيسة التي تعهد إليكم بالسلطة القضائية، محتفظة بالسلطة التشريعية والإجرائية والإدارية. هذه السلطات تسلمتها الكنيسة من المسيح الرب بسلطان الولاية على ابنائها. ولهذا السبب تصدرون أحكامكم متوجة "باسم الله تعالى"، لأن سلطة الكنيسة القضائية تتحدر من طبيعتها ومن مؤسسها الإلهي، لا من تفويض من المجتع المدني، وتمارسها في محاكمها بحق خاص واستئثاري".
وراى الراعي أن خدمة العدالة عمل خطير أمام الله والضمير، وتقتضي التحلي بروح المسؤولية والفطنة وحسن التمييز والحرية الداخلية ومخافة الله. أما الفصل في النزاعات فيرتكز على حقيقة الواقعات والعدالة والإنصاف. ومعلوم أن الحقيقة هي الأساس الذي تبنى عليه العدالة والإنصاف يلطفها لئلا تصبح ظلما، كما تنبه قاعدة الشرع الروماني القديم: "الإفراط في العدالة إفراط في الظلم" –
summa iniuria" "Summum ius.
هذه الثلاثة الحقيقة والعدالة والإنصاف مجتمعة هي بمثابة الروح لكل أعمال المحامين والقضاة، وتأتي القوانين وأصول المحاكمات، بما فيها من أعمال وبينات ومستندات، لتصون هذه الروح وتضمن تطبيقها في الأحكام".
وقال: "إن الحكم في الدعاوى القضائية قول يفصل به القاضي النزاع القائم أمامه، مطبقا القانون، المكتمل بالتعليم والاجتهاد، على الوقائع الموضوعية الراهنة، ويعلن العدالة في هذه الحالة. ولأن الحكم عمل خطير للغاية، بسبب نتائجه القانونية والروحية والاجتماعية والانسانية، فيحتاج القاضي إلى دفاع المحامين وملاحظات محامي الوثاق والعدل، لكي يتمكن من القيام بأفعال ثلاثة مترابطة ومتكاملة هي: تحليل أعمال الدعوى والبينات من أجل الإجابة على الإرتيابات المحددة، نقد الأعمال وقيمتها الثبوتية وصدقيتها، للبلوغ إلى حقيقة الأمور، فتكوين اليقين الأدبي الذي يمكنه من إصدار حكمه".
واضاف: "هذا كله لأن الزواج الصحيح كعقد قانوني، هو عهد مقدس يندرج في عهد الله مع شعبه، عهد الحب والأمانة، ويعني أن الزوجين بقبول الدعوة إلى الزواج وعقده، إنما يدخلان في عهد عمودي مع الله الذي أسسه ونظمه بشرائع وجعله بالمسيح سرا مقدسا، يكون حاضرا بواسطته في حياة الزوجين، ويقدسهما ويعضدهما ويثبتهما بنعمته. ما يلزم الزوجين الخضوع لإرادة الله وللشرائع الإلهية والطبيعية والكنسية، في ممارسة الحياة الزوجية وتحديد مصيرها.
واعتبر أنه في ضوء هذه الأسس والمبادئ اللاهوتية التي منها تشتق القواعد القانونية، يندرج عمل القضاة والمحامين والموظفين القضائيين، وتتم مقاربة الدعاوى الزواجية، وبت النزاع إيجابا أو نفيا، بعيدا عن أي تأثير خارجي أو ميل شخصي.
بهذا ندرك ضرورة التحضير للزواج على المدى البعيد والقريب، في مراكز إعداد خاصة، في كل أبرشية، وفقا للبرنامج الموحد الذي عممته اللجنة الأسقفية للعائلة والحياة. وينبغي أن يتناول التحضير كل المواضيع المقترحة، وأن يكون إلزاميا للجميع قبل عقده.
وتابع: "كما ندرك ضرورة مواكبة الأزواج والعائلات من كاهن الرعية ومطران الأبرشية في صعوباتهم وخلافاتهم، للخروج منها بالتفاهم والتوافق والمصالحة، ولا سيما عبر مراكز الإصغاء في كل أبرشية. إننا نشجع ايضا مساعي المصالحات في إطار محاكمنا، في اي مرحلة من مراحل المحاكمة، وبالتعاون أيضا مع اللجنة الأسقفية للعائلة والحياة".
وقال: "إننا، إذ نقدر كل التقدير خدمتكم القضائية، ونشكركم عليها، نرجو أن تتجلى عدالة الله عبر خدمتكم الواعية والسريعة، تضميدا للجراح التي يصاب بها الأزواج والأولاد بسبب النزاعات، ولا سيما إذا طالت بسبب المماطلة في الحكم. ونحن، من جهتنا، نعمل مع سيادة المطران المشرف العام على توزيع العدالة ومع سيادة المطران المشرف على محكمتينا في لبنان، ومع رئيسيها، من أجل المزيد من التفرغ، والتقيد بقانون المحكمتين، وأصول المحاكمات، آملين أن يأتي عملكم تمجيدا لله، وتأمينا لخير النفوس، بفيض من نعم ابن الله المتجسد".