بعد السواد الأعظم من الشعب السوري، وأكثرية الشعب اللبناني… ها هم الفلسطينيون (في مخيم اليرموك وسواه) ينضمون إلى قوافل "الإرهابيين".. والأصوليين والمخُرّبين والعملاء. ثلاثة شعوب عربية عريقة يتهمها النظام الممانع "بالإرهاب". ثلاثة شعوب يمسح عنها النظام "الدائم" للمقاومة (السابقة)، عروبتها، وانتماءها، وتاريخها ويَصمها بالإرهاب، لأنها خرجت عليه، ثارت عليه. تقاوم طغيانه. وجنونه. هذه التهمة جاهزة جهوزية النظام للقتل. بلا رحمة. ولا ضمير. ولا رادع. ولا حساب.
… وحكاية الشعب الفلسطيني مع النظام السوري طويلة، وشاقة ورهيبة لا تختلف كثيراً مع حكايته مع "اسرائيل" في موازاة الشعبين اللبناني والسوري، الثلاثة "تلقوا" نصيبهم من غَدره. وعندما رأينا آثار قصف الطيران الحربي السوري مخيم اليرموك في وسائل الاعلام المرئية، تذكرنا والذكرى جرح، نصيب المخيمات الفلسطينية في لبنان من بطش هذا النظام ومؤامراته على امتداد العقود الأربعة. تذكرنا في منتصف السبعينات (مع بدايات الحروب على لبنان) مخيم تل الزعتر، ومخيم جسر الباشا، ومخيم ضبيه.. كيف كان لهذا النظام الدور الأساسي السياسي والعسكري في اسقاطها، بواجهات بعض الأحزاب التي وضعها النظام في مواجهة الفلسطينيين "يا قاتل يا مقتول" انها المرحلة الأولى لمحاولة تصفية الوجود الفلسطيني السياسي المقاوم المستقل داخل المخيمات. وقد افتتحها نظام الممانعة. ووراءَه اسرائيل وأميركا في حلف سري "مفضوح". المرحلة الثانية من تصفية هذا الوجود الفلسطيني المقاوم جاء هذه المرة مباشرة من اسرائيل في غزوها لبنان عام 1982. ويظن أن الأطراف التي كانت وراء اسقاط تل الزعتر… هي ذاتها "مؤتلفة" لكن الواجهة والأداة هنا اسرائيل مباشرة.
أما النظام "العروبي" فكان وراء الكواليس تماماً كما كان في عملية تل الزعتر. لكن شارون، كما يبدو، لم يلتزم "وعوده" فبدلاً من أن يكتفي بعشرين كيلومتراً داخل لبنان (أي المنطقة الجنوبية) بحسب اتفاق الطرفين أكمل على بيروت وسائر لبنان.
رائع!
الحلقة الثالثة في هذه السلسلة على الوجود الفلسطيني المقاوم تمت فصولها في حرب المخيمات في الضواحي.. وصولاً إلى الشمال. هذه المرة، أيضاً "افلتت" عروبة النظام أطرافاً لبنانية أخرى، منظمة وحليفة لها (كما حصل مع أطراف داخلية أخرى) لتحاصر المخيمات: وبعد خروج رموز الثورة الفلسطينية بالبواخر من لبنان، وعاد عرفات إلى طرابلس، حاول هذا النظام أن يخوض الحرب بنفسه، مع بعض العملاء الفلسطينيين وعلى رأسهم أحمد جبريل وفصائل وهمية "فلسطينية" تأتمر بهذا النظام "كالصاعقة" وطبعاً كالجبهة الشعبية القيادة العامة التي انشقت بقيادة العميل التاريخي "الهارب" اليوم. ويعتقد كثيرون ان الدور السوري في لبنان بدأ فلسطينياً أي بدأ يضرب "القرار الفلسطيني المستقل الذي تمثله منظمة التحرير (الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني) أي حاملة ورقة الحرب والتفاوض والسلطة والمشروع التحريري والدولة. وهنا بالذات، بدأ الدور الإيراني: وتحول المثلث الاسرائيلي السوري الأميركي، إلى مربع متحالف ضمنياً، أو متقاطع (في المصالح أو الاستراتيجيات) لاستيعاب الورقة الفلسطينية في لبنان، أي بانتقال قرار الحرب والسلم (وإدارة المخيمات) من أيدي المقاومة الفلسطينية إلى أيدي الوصايتين السورية والإيرانية تحت شعارات "علمانية" "عروبية" عند النظام البعثي وشعارات "مذهبية" جهادية عند نظام الملالي: وهكذا كان على هذه الجهات ان تحاول تدمير كل "وحدة" فلسطينية سياسية، تنظيمية، عسكرية، مقاومة.. أو ما يمت إليها بصلة، فبعد قيام "المقاومة الوطنية" عام 1982 بقيادة الحزب الشيوعي اللبناني ومنظمة العمل الشيوعي والحزب القومي السوري الاجتماعي، كان من أهداف سوريا أن تخوض حروب المخيمات مع تصفية المقاومة الوطنية، واستبدالها بمقاومة مذهبية انسجاماً مع الطرفين اللذين قررا انشاءها. وعلى انقاض المقاومة الوطنية التي حررت بيروت من الاحتلال الاسرائيلي، أنشِئ "حزب الله" لكن بعدها، كان على "البندقية" ان تتوحد ليحل دور الحزب الإيراني السوري محل دور "أمل" وكانت معارك اقليم التفاح والضاحية والتي قتل فيها مئات اللبنانيين من الطائفة الشيعية. وبعدها كان ما كان. وسيطر الحزب عسكرياً ومالياً وسياسياً على ارث الحركة الوطنية الفلسطينية والوطنية. ولم يكتف النظام بما ارتكبه في لبنان من تدمير للبنى الفلسطينية والمقاومة ومنظمة التحرير (خوّنوا عرفات رمز فلسطين) فقد عمد النظام مع حليفه الإيراني إلى تقديم "هدية" إلى اسرائيل: شق السلطة الوطنية في فلسطين، واحداث شروخ بين غزة والضفة، عن طريق حماس. فانقسم الفلسطينيون في مواجهة اسرائيل وكأنما "اقيمت دولتان واحدة للسلطة وأخرى لحماس في غزة، بحيث تمددت الورقة الفلسطينية من جنوب لبنان إلى غزة، وصارت في حوزة ايران وسوريا، اللتين كاسرائيل، وضعتا استراتيجية أساسية لهما: منع الشعب الفلسطيني من مواجهة اسرائيل في جبهة واحدة (هذا ما فعلوه عندما شقوا منظمة التحرير.. عبر فصائل عميلة لها لا سيما "الصاعقة" والجبهة الشعبية القيادة العامة..) اللعبة ذاتها: تقسيم الجبهة الفلسطينية كما تم تقسيم الأحزاب اللبنانية، والمؤسسات والجيش (لعبة اسرائيلية بامتياز).
وهذه هي المخططات الإيرانية السورية: شرذمة الوضع العربي برمته، واحداث انقسامات مذهبية فيه، ضرباً لعروبته واضعافاَ له، وتحقيقاً لمشروع مذهبي للسيطرة على خطوط تبدأ بايران فالعراق فلبنان فاليمن (مع الحوثيين) فإلى فلسطين (مع حماس) فإلى اسرائيل في حلف جهنمي يشكل طوقاً على العالم العربي. طبعاً. الربيع العربي، افشل هذا المخطط. بانضمام حماس أخيراً إلى حضن الثورة العربية في سوريا وسائر الثورات. وكان من الطبيعي أن يبقى "الفلسطيني" الذي بات أكبر عدو للفلسطينيين واقصد العميل أحمد جبريل على "وفائه" للنظام، إلى ان اجتاحت الانتفاضة العربية السورية الشعب الفلسطيني المقاوم، وحاول جبريل ومرتزقته قمعها. لكن، كان الأوان قد فات، فها هو الجيش الحر، مع المقاتلين الفلسطينيين يتصدون لاعتداءات الجيش النظامي، ويعلنون انضمامهم للربيع السوري. هنا بالذات تذكر هذا النظام ان ما واجهه الرئيس الراحل عرفات منهم، سيتذكره فلسطينيو اليرموك وتذكر فلسطينيين المخيمات في لبنان له لتوافي انتفاضة اليرموك في انتصارها على الجيش النظامي، انجازات الجيش الحر وتقدمه على جهات عديدة وصولاً إلى حلب ودمشق وحماة.. ولأن ليس عند النظام سوى العنف، فها هو يطلق طائراته الحربية لتدمر ما تدمر في مخيم اليرموك ويرتكب عدة مجازر.. هزم على الرغم من "الميغ". والمدافع والدبابات. انسحبوا. لكن عادوا بتعزيزات لمحاصرة المخيم والفلسطينيين وتسجيل اضافات جديدة من الشهداء. مخيم آخر على مرمى التدمير. وهذا ليس غريباً. فالذي فعله هذا النظام عندما حاصر الأشرفية وزحلة وصيدا وطرابلس وقصفها، لا يختلف كثيراً عما يفعله اليوم في شعبه (وكما فعله عام 1982 في حماه بقتله حوالي 40 ألفاً في ظرف شهر!) العقل القاتل ذاته. وآلة القتل ذاتها وجنون السلطة ذاتها والعداء لكل قضية عربية ذاته. وبدا من كل ذلك ان النظام لا يميز بين عدو له وآخر أو معارض. او منتقد: (الاعدام، التدمير،التعذيب، الهمجي، الخراب، فعندما يصفي هذا النظام ويتسبب بقتل عشرات ألوف السوريين والعراقيين والفلسطينيين واللبنانيين منذ 1973 ولا يقتل جندياً اسرائيلياً واحداً، فهذا يعني ان اسرائيل ليست هي "العدو" المستهدف بل الشعب السوري أولاً، والشعوب العربية ثانياً، لكن الجديد هذه المرة انه "شغال" على عدة جبهات عربية في آن واحد (حدث هذا في لبنان ايضاً) وجبهة جولان هادئة. عدة جبهات، كأنما لم تروه دماء شعبه عبر الانتفاضة الراهنة، بل ها هو يحاول تدمير مخيم اليرموك. وها هو يرسل المتفجرات لاحداث فتنة عن طريق العميل الارهابي ميشال سماهة، والسفاح علي مملوك، وها هو يغتال وسام الحسن، ويحاول اغتيال بطرس حرب وسمير جعجع. ويقدم لائحة باسماء 14 رمزاً من رموز آذار مرشحين للاعدام سواء على طريقة المتفجرات كما حدث مع الشهيدين الحريري والحسن، أو بالرصاص، او بالمتفجرات الموضعية. على كل الجبهات . فما اغبطه. وما اعظم انسجامه مع نزعاته وميوله وغرائزه الوحشية. واللائحة جاهزة. (كما كانت لوائح اخرى جاهزة على امتداد أربعة عقود) فكيف يمكن ألا يكون على لائحة اطباقه اليومية قتل هنا، ومجزرة هناك، وهل ننسى احداث طرابلس بين التبانة وجبل محسن واحداث طريق الجديدة… ومحاولة الفتنة في صيدا وانتهاك الحدود اللبنانية، وخطف لبنانيين وتصفيتهم. والله "ملَحّق على كل شيء" لا يريد قبل رحيله أن يُبقي خلفه اثراً ولا عيناً ولا عرباً. ولا مقاومة. ولا مدناً. ولا دساكر. ولا بنياناً! أف! ومن الطبيعي، انه كلّما خسر هذا النظام مواقع له داخل سوريا، أو في فلسطين أو عند العرب أو في العالم، عمقت عزلته عداءه وشراسته عنفاً وكأن لعنة هذا النظام على امتداد قرابة نصف قرن، اصابت عدة شعوب عربية. فكأنه يستمر في مطاردة كل بؤرة حية مبدعة، ديموقراطية، مقاومة، حوله. وينحاز أبداً إلى كل من يصوّب عداءه على الأرض العربية، او حتى على الدول العربية. فالذي انحاز إلى جمهورية الملالي الايرانية في حربها على العراق العربي، والذي شارك جيوش التحالف في تدمير العراق، والذي هدم كل ما يمكن ان يبني دولة في لبنان، وجيشاً (لمصلحة اسرائيل) والذي حطم وحدة المقاومة الفلسطينية وصفّاها، وطرد عرفات من طرابلس، والذي شارك في العمليات الإرهابية ضد الشعب العراقي (أحزمة متفجرة، سيارات مفخخة، اثارة الفتن المذهبية) لا يعيش إلاّ على خراب الأمة العربية وقضاياها واقتصادها. وإذا كانت لعنته الجهنمية لم توفر قضية عربية فإن أشّر لعناته اصابت القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني والمخيمات. كأنه يقول لهؤلاء "انا وراكم وراكم". في لبنان وفلسطين وسوريا.. وفي كل مكان. وراكم وراكم! وها هو، في نهاياته، لينتقم آخر انتقاماته من مخيم اليرموك المنتفض. لكن ها هو عميله المعلن احمد جبريل (حليف "المقاومة (عندنا) والممانعة) يهرب من المخيم، ويحاول الخروج من سوريا، لكن النظام يمنعه. ونظن ان النظام "محق" في منع هذا المجرم من السفر، لأن الذي خان شعبه الفلسطيني واغتال بعض قياداته، وشارك في الهجوم على مخيمات لبنان واليرموك، من الطبيعي الا يثق به هذا النظام فلمَ لا يخون حليفه البعثي من خان أهله. وباع قضيته؟ ويقال انه في الاقامة الجبرية او في مكان آخر. المهم أن "جبهة" هذا العميل التي انشئت لمحاربة الشعب الفلسطيني انشقت عنه أخيراً.. ولم يبق له سوى الفرار (يذكرنا بميشال عون كثيراً وبمواصفات كثيرة سبحان الله).
وهروب هذا الجبان (خبير المتفجرات والمجازر الجماعية الا في اسرائيل) لا يختلف كثيراً عن هروب نسبة كبيرة من جيش النظام، وانضمامهم إلى الجيش الحر وشخصيات بارزة وأركان في النظام. فالقتل على كل هذه الجبهات (اللبنانية السورية، الفلسطينية، العربية) يعني كأنه يقاتل نفسه. وكلما ازدادت جبهاته قلّت انتصاراته. وكلما توسعت حروبه تقلَّصت سلطته. وكلّما ادعى تقدماً ازداد تراجعاً. كأنه محاصر بجبهاته المفتوحة في لبنان (اغتيالات، محاولة إثارة الفتن، متفجرات) وفي سوريا (حلب، حمص، سقوط مناطق كاملة بأيدي الثوار، دمشق، حماة) وفي فلسطين (انحسار حماس عنه وانضمامها إلى الثورة السورية والعربية)، روسيا (تحاول انقاذ رعاياها بعدما تأكد لها ان هذا النظام في آخر مونولوغاته الدموية)..
مخيم اليرموك محاصر اليوم. تماماًَ كما كانت أحوال مخيمات تل الزعتر وجسر الباشا وضبيه وشاتيلا والبارد وصبرا وشاتيلا كأنه قدر المخيمات ان يحاصرها هذا النظام. ويدمرها. ويهجر سكانها. لكن الأمور تختلف هذه المرة. فالجيش الحر والمقاتلون الفلسطينيون يواجهون ما تبقى من آلته الحربية بصمود وبانتصارات مدّوية. فالمحاصِر بات مُحاصَراً و"القوي" صار ضعيفاً. والجبّار على حافته الأخيرة. والفلسطينيون في بلاد الشتات في لبنان وسوريا والأردن تحرروا من لعنة هذا النظام. وكأن هناك حركة واحدة متوازية يخطوها الشعب الفلسطيني واحرار سوريا ولبنان والربيع العربي.. خطوة متجانسة واثقة (على الرغم من الخسائر والتهجير والشهداء والدمار..) وعلى الرغم من ظواهر المخاض ومصاعبه. وهنا لا بد من التساؤل: ماذا يمكن أن يتذكر الفلسطينيون من هذا النظام غير التآمر عليهم، واضطهادهم وضرب قضيتهم وقتلهم فرادى وجماعات ومحاصرتهم.. ماذا يمكن أن يبقى في ذاكرة السوريين من نظامهم الممانع سوى تفاهة 99,99 والسجون المفتوحة والمجازر والفساد والقمع والرعب؟ وماذا يمكن ان يتذكر اللبنانيون ايضاً من أيام وصاية هذا النظام عليهم سوى الدمار والاغتيالات والنهب والفساد والكراهية؟ بل ماذا ترك هذا النظام من آثار على العالم العربي سوى انحيازه إلى كل ما يهدد قضاياه؟
مخيم اليرموك في عين "اللعنة" لعنة النظام. لكن.. كأنها آخر "لعنات" النظام الذي يتهاوى بلا أسف عليه.
كأن اليرموك من محطاته الأخيرة قبل وداعاته الأخيرة.
نعم! انها وداعاته الدموية الأخيرة مع تذكارات دامية ونظيفة في مخيمات صبرا وشاتيلا ونهر البارد وصولاً إلى مخيم اليرموك!
وكل هذه المجازر كأنها تكرار لمجزرة العدو الإسرائيلي بحق الفلسطينيين في كفرقاسم التي صارت عنواناً لهمجيته.