كبيرة هي المشاكل التي يواجهها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في مسقط رأسه طرابلس، لا بل هي معقدة جداً، ويبدو أن قطار إعادته الى قلوب أبناء الفيحاء الذين أولوه ثقتهم ومنحوه أصواتهم في انتخابات الـ2009 وما سبقها قد فاته.
مشكلة ميقاتي أنه إذا ما استدرك أخطاءه يستدركها متأخراً، لا بل لا يكاد يكتشفها أو يستشعر جسامتها إلا بعد أن يوقظه الشارع الطرابلسي من سباته العميق، وليس سراً أن أخطاءه وخطاياه تحتاج الى سنوات أو الى عقود من التأمل والمراجعة، قبل أن تمحى من ذاكرة أبناء الشمال عموماً وطرابلس خصوصاً، لأن خيانة أصواتهم وثقتهم والمبادئ التي انتخبوه على أساسها لا تزال ماثلة وحيّة في وجدانهم، ولأن الانقلاب المدوي الذي نفّذه على الخط الذي يمثلهم ليس مجرّد هفوة أو زلّة أو مخالفة تمسح آثارها باعتذار أو تبرير لسوء فهم ما، إنما يرقى الى مصاف الجريمة الموصوفة التي يدفع اللبنانيون جميعاً اليوم وأبناء طرابلس بالتحديد أثمانها الباهظة.
لقد سئم أبناء الفيحاء ولا سيما الفقراء منهم، معزوفة ميقاتي الذي يزعم فيها أنه ما ارتضى تحمّل مسؤولية رئاسة الحكومة وأن يكون رأس حربة "حزب الله" وانقلابه المسلّح على الرئيس سعد الحريري وما يمثّل ومن يمثّل، الا لإنقاذ البلد من الفراغ والانزلاق الى الفوضى، وها هم يسألونه اليوم "من أي فوضى جنّبت البلد؟، ماذا تسمّي ما يحصل لأهلك ولمدينتك ولأحيائها الفقيرة؟، ألم تتنبّه أن من أدخل طرابلس في دورات العنف المتكررة هم حلفاؤك المحليون والإقليميون خدمة لأجندة أوصلوك الى سدّة الحكم من أجلها؟، أي استقرار وعدت المواطنين به والبلد في عهدك بات على شفير الانهيار الأمني مع عودة مسلسل الاغتيالات والخطف والتفجيرات والمعارك المتنقلة، وهو يدخل حالياً نفق الإفلاس المالي والاقتصادي، وبات على فوهة بركان اجتماعي مرعب؟".
منذ أن اعتلى ميقاتي مسؤولية السلطة التنفيذية في 25 كانون الثاني 2011 بفعل الانقلاب المسلّح لـ"حزب الله"، وطرابلس تدفع الثمن المكلف جداً لهذه المغامرة، والمؤسف أن المدينة فقدت الاستقرار منذ أن أطلق ميقاتي على حكومته صفة حكومة الأمن والاستقرار، والغريب في الأمر أن أمن المدينة يُضرب الآن على أيدي حلفاء دولته وأبناء صفّه الممانع والمقاوم، ويكفي في هذا المجال تذكيره بجولات العنف العشر التي حصدت أرواح عشرات الأبرياء، وخلّفت مئات المصابين والمعوقين ودمرت مئات المنازل والمؤسسات التجارية، وأسست لحالة من الحقد لم يسبق أن عرفتها طرابلس في أحلك أيام الحرب الأهلية.
المفارقة هنا، أن رئيس الحكومة حلّ أمس ضيفاً على مدينته المنكوبة، ليجمع حوله عشرات المؤيدين والأتباع، وليطلق مواقف استلحاقية يظنّ أنها كافية لمحو خطاياه، فها هو يعبّر عن فرحه للأمن والاستقرار اللذين تنعم بهما طرابلس، لكن المستغرب في الأمر، أن أياً من فريق دولته ومستشاريه لم ينبهه الى أن الكثير من الناس ما زالوا خارج بيوتهم التي دمرتها قذائف الحلفاء، وهم مهجرون إما داخل المدينة أو خارجها، كما أن عدداً لا بأس به من أصحاب المصالح باتوا عاطلين من العمل بعدما أحرقت محالهم التجارية ومؤسساتهم وباتوا بحاجة الى مورد رزق يؤمن قوت أطفالهم، بينما هو ملتزم النأي بالنفس عن هذه الهموم التي لا داعي ليشغل باله بها، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا، "ما الذي أطال عمر المعارك في دورتها الأخيرة لأسبوعين؟، وما دام الجيش قادراً على حسم الأمور، لماذا كل هذا التأخير في إعطائه الأمر وتوفير الغطاء السياسي له لنوفر مزيداً من الدماء التي أريقت على مذبح الحلف الجهنمي؟، ألم تكن الأحداث على هذا القدر من الخطورة وتستوجب أن يقطع دولته جولته الخارجية ويعود لدعوة المجلس الأعلى للدفاع الى الانعقاد واتخاذ القرارات التي اتخذها؟".
لم يكفِ أبناء طرابلس ويلات ما آلت اليه الأمور نتيجة سياسة ميقاتي وحكومته تجاه العاصمة الثانية وأهلها، إنما ذهب الى حدّ جلدها، وما هال الطرابلسيون تصريحه قبل أيام عندما أعلن أن انتشار الجيش في طرابلس حال دون إنشاء إمارة إسلامية، وهو ما أثار غضب الطرابلسيين الذين اعتبروا أن هذا الكلام يتناقض وتاريخ المدينة وثقافتها، وهو يتجانس مع التقارير التي تبرع الجهات المحسوبة عليه في السياسة بطبخها وتسويقها، واحتراف التزوير والتضليل وقلب الحقائق، وقد حاول استدراكها بالأمس علّه يفلح في تصحيح أو توضيح هذا التهوّر الكبير عبر قوله "عندما ذكرت كلمة إمارة كان القصد منها أن أهل طرابلس مسرورون للاستقرار ولدخول الجيش، ويعتبرون أن انتماءهم لأهل الدولة لأنهم يرفضون أن يكونوا إمارة أو مقاطعة، وقلت الإمارة في سياق الكلام بأن أهل طرابلس لا يقبلون بالإمارة والطرابلسي والشمالي حريص على الدولة اللبنانية والتعاون معها وعلى الدولة أن تكون دائماً موجودة"، هذا العذر لا يمحو خطيئة على هذا القدر، ولا يحجب حقيقة أن رئيس الحكومة تبنّى اتهاماً من هذا النوع قبل أن يسأل الأجهزة الأمنية التي يفترض أن تكون تحت إمرته، وهذه الخطيئة تنسحب أيضاً على موقف حكومة ميقاتي ووزرائه الذين عبّروا عن عنصرية مقيتة في مقاربتهم لقضية النازحين السوريين والفلسطينيين، ومطالبتهم بإقفال الحدود في وجههم، وإجبارهم على العودة الى الداخل السوري ليكونوا إما وقوداً لمحرقة نيرون دمشق، وإما دروعاً بشرية أمام شبيحته وأجهزة القتل التابعة له، فإذا به يعلن من طرابلس رفضه إقفال الحدود أمام النازحين، بينما لازم الصمت أمام فجور وزرائه على طاولة مجلس الوزراء، من دون أن يبدي ملاحظة أو يطرح علامة استفهام حولها.
وما دام رئيس الحكومة اختار أن يكون كرسيّ الاعتراف وطلب الغفران في جمعية "العزم والسعادة" فهو لم يهمل مشكلة المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى، التي كان له دور في تأجيجها، وبدل أن يجبرها عاد ليكسرها، من خلال إعلانه أن الانتخابات ستجري في غضون الشهرين أو الثلاثة أشهر المقبلة، وهذا ما أثار استغراب أحد أعضاء المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى الذي قال لـ"المستقبل" "هذا الكلام مخالف للقانون ولقرار مجلس شورى الدولة، لأن أي بحث بتحديد موعد الانتخابات مرتبط بانتهاء المحاكمة في المراجعة المقدمة"، وأوضح أنه "بعد صدور قرار نهائي من مجلس شورى الدولة يفترض أن يحدد من هي الجهة الصالحة للدعوة الى الانتخابات، المجلس الشرعي أم المفتي، وعندها يمكن تحديد موعد الانتخابات.