#dfp #adsense

«ربع ثورة» في مواجهة «ثلاثة أرباع وصاية»

حجم الخط

قيل عن بيروت "ست الدنيا" و"أم الشرائع"، بيروت التي إنطلقت فيها ثورة شعبية في 14 آذار 2005 حيث نزل إلى ساحة الشهداء ما يفوق المليون لبناني ليقولوا لا للوصاية السورية على لبنان، وقد وضعوا حداً لها.

عادةً تُنهي الثورة نشاطها بشرعة حقوق أو دستور تأسيسي أو ميثاق بين جمهور الثورة أو بعقد إجتماعي جديد، لكن هذه الثورة بقيت عالقة بين فَكَّي الوصاية السورية من جهة التي لها أدواتها الراغبة في إعادة الهيمنة على لبنان، و قوى السلاح من جهة أخرى التي تحاول أن تُفَصِّل الحياة السياسية وتُسيِّرها بما يتلاءم وأهدافها. ويقود قوى السلاح ما يسمّى "المقاومة" التي تملك ما يكفي لتحقيق هيمنتها على القرار السياسي في لبنان من سلاح ومال وقوى تابعة تعمل جاهدة لتحقيق ما تصبو إليه شراهتها الأمنية والعقائدية والسياسية، في مقابل قوى الثورة المبعثرة والمشتّتة المختبئة أخيراً بسبب الخوف من الإغتيال، وهذا أمر طبيعي.

لكن فقدان التنظيم بينها وتناقض بعض مشاريع الأحزاب المنضوية فيها وتعارضها، وعدم وضوح الأفق السياسي أو الرؤية للحكم، وعدم بلوَرة معارضة سياسية جدية، إضافة إلى ضيق المساحة والهامش الديموقراطي داخل قوى 14 آذار جعل من هذه الثورة "ربع ثورة "، وإن كان شعارها دعم حكم الدولة بدلاً من تأمين غطاء للسلاح مثلما تفعل قوى 8 آذار برمّتها التي لا داعٍ للحديث عن إطار الديموقراطية الواسع لديها، ولا حتى عن نظرتها للدولة أو حتى لطريقة إدارتها للدولة إذ أن الممارسة وحدها كافية للدلالة عليها.

وفي المقابل فإن ثورة 14 آذار المؤمنة بمشروع الدولة، لم تفصح عن الدولة التي تريدها؟ هل هي الدولة التي تحكمها البيوت والعائلات السياسية، أم الدولة التي يستشري فيها الفساد والعقم في إدارتها والشلل في مرافقها، أو الدولة التي تشكّل خطراً فادحاً وجسيماً ومستمراً على حياة المواطنين وصحتهم، بدءاً من إدارتها على اختلافها وخطورة الطبابة فيها أحياناً، مضافاً إلى ذلك الأدوية المزوّرة مثلما رأينا أخيراً والتي تشكّل خطـراً على سلامة الإنسان.

فالإدارة معطلة والقضاء متروكٌ لمصائبه والعدل نادر والأحزاب تستحوذ بها ويستأثر فيها الرأسماليون أو العقائديون والبيوت السياسية وأحزاب الاشخاص، فيما الحياة الديموقراطية الحقيقية تنتظر ازدياد عدد المثقفين، فناخبو لبنان ينتمون في معظمهم إلى الطبقة الفقيرة التي يتم إبتزاز صوتها الإنتخابي بمقدار حاجتها للخدمات، أو بما يمكن أن تحصل عليه من حاجات ملحة وضرورية. فهم أصلاً يعيشون في بيئة جبلية فقيرة، بمعظمها لا توجد فيها مدارس أو مستشفيات، ولم يصل إليهـا الهاتف أو الكهرباء، وإذا توافرت لديهم هذه المقومات كلها ولم يكونوا في حاجة إلى خدمات المسؤولين من وزارء ونواب، فلا يتوافر لديهم خيارات أخرى بديلة.

فالمواجهة قلما تحصل بين أحزاب ديموقراطية فيها تداول على هرميتها، بل بين عائلات وبيوتات سياسية وأشخاص، قد لا يتمكن إلا المال السياسي من منافستهم، أو ربما الإلتحاق بهم. كذلك تسعى هذه الأحزاب إلى تطويع الشباب المثقف في صفوفها وهذا من حقها، لكنها تخجل في المقابل من أن تصف نفسها بما يتلاءم وصحة أوضاعها وحقيقة طبيعتها، فهل صدقتم يوماً أن ديكتاتورياً سياسياً، سواء شَغِل رئاسة دولة أو رئاسة حزب يمكن أن ينتـج إصلاحاً أو تغييراً ديموقراطياً. إنه في الواقع نضال الأشخاص على رئاسة الأحزاب الذي لا يوقفه إلاّ الموت، ولا يمكن أن يكمله إلاّ أفراد العائلة، أما البقـية فهم من المصفقين الذين يُستخدَمون للتعبئـة، مثلما يحلو لبعض قادة الأحزاب الحاليين بأن يُسمّونهم (وهو كان قد برز بدايةً بمعارضته للتقليد السياسي في لبنان لكنه يبدو أنه اندمج بهذا التقليد). وإذا فاتحهتم بالديموقراطية والمؤسسة الديموقراطية التي ينوون توريثها للرأي العام، يقولون إن ذلك لا يمكن أن يحصل في الشرق، وخصوصاً في لبنان.

لذلك تبقى ثورة الإنسان بحقوقه الكاملة ودولته الناقصة "ربع ثورة" في مقابل تعاظم وصاية السلاح التي تكاد تشكّل وصاية كاملة واضحة المعالم، وإن كانت غير معلنة، وصاية تحرسها العباءات وتغذّيها العصبيات والعقائد والإمتدادات، ويسهر عليها وفي ظلها أدوات صغيرة تعيش تخمة المجد الباطل الذي ستسخر منه حتماً الأجيال الصاعدة، هذه التخمة التي تسكر قبل إنتحارها ليس إلاّ لتحتلّ الكراسي، فتبذل الغالي والنفيس لأجلها. كل ذلك لأن المسؤولية بمفهومها اللبناني وجاهة ليس إلاّ، وبغض النظر عما إذا كان متوليها على قدرها أم لا، وهو نادراً ما يكون. وما نقوله في هذا الصدد ليس للإنتقاد فقط، بل لأننا نأمل في أن تُقصَّر مسافات التغيير الحقيقية عندما يصبح العِلم والمعرفة في منال الجميع وتنتهي لعبة الأوصياء على الإنسان.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل