#adsense

يوحنا العاشر: قيادة الكنيسة الأرثوذكسية في الزمن الصعب

حجم الخط

يصح في انتخاب البطريرك يوحنا العاشر القول إن اعتلاءه سدة البطريركية الارثوذكسية كان نتيجة لعاملين: وحدة الكنيسة التي لا تتجزأ، والديموقراطية الحقيقية التي تميز عادة سلوك الاكليروس في المفاصل الكبرى.

كان اختيار البطريرك الجديد حُبيّاً، لكنه لم يخل من منافسة شديدة، سبقت الخلوة في البلمند وواكبتها، فقد كان مطارنة أقوياء، يتنافسون داخل هيئة انتخابية قليلة العدد، ولم يكن مفاجئاً أن تعلن النتائج على غرار ما جرى في الكنيسة المارونية، على خاسر ورابح، وعلى تسليم بقوّة الطاعة، بالنتيجة على قاعدة المباركة للبطريرك الجديد بالدعاء الشهير: "مستحق، مستحق".

في الزمن الصعب الذي سيتقرر فيه مصير المسيحيين، وكذلك خياراتهم الكبرى، بفعل مواجهتهم مسؤولية اختيار مستقبلهم في زمن الربيع والثورات، إختير رجل المرحلة ورأس الكنيسة الأنطاكية في هدوء وحكمة لا يتردد أحد المتابعين للشأن الأرثوذكسي من قرب في البوح بأنه كان اختياراً بنكهة لبنانية زاوجت ما بين هدوء متروبوليت جبل لبنان جورج خضر، وحكمة راعي أبرشية بيروت المطران الياس عودة وتأييد بعض رعاة أبرشيات لبنان كصور وصيدا وطرابلس وأبرشيّات سوريا.

دخل أعضاء المجمع إلى جلسة الإنتخاب بأسماء عدة نشرت الصحف اللبنانية غالبيّتها، فيما يجزم أحد المطلعين أن فكرة تعديل قانون "السنوات الخمس" الذي سمح للمطران يازجي دخول حلبة المنافسة، هي فكرة ليست بجديدة ولم تكن مخرج اللحظات الأخيرة، إذ تؤكد المعلومات أن المتروبوليت خضر فاتح بعض الأساقفة بنيّته هذه قبل بدء عملية الإنتخاب، لا بل قبل تحديد يوم الإنتخاب، لتأمين غالبية داخل المجمع، موافقة على مبدأ التعديل تمهيداً لإيصال المطران يوحنا اليازجي الذي لا يوافقه كثير من المطارنة في اتجاهاته السياسية، وقطع الطريق على مطران المكسيك أنطونيوس الشدراوي الذي لا يوافقه كثير من المطارنة في اتجاهاته السياسية، وذلك في حال تعثرّت مساعي إنتخاب مطران حوران سابا إسبر، وهذا ما حصل بتوافق كلّي بين خضر وعودة الذي يُعتبر صوتاً مرجحاً لم يكن في الامكان تجاهله.

صبيحة الاثنين دخل أعضاء المجمع إلى خلوة الإنتخاب وبدأت الجولة الأولى التي أنتجت ثلاثة مرشحين (نالوا عدداً شبه متساوٍ من الاصوات)، يازجي أولاً يليه الشدراوي وإسبر الذي عاد وقرر الإنسحاب لمصلحة يازجي بناءً على إقتناع ذاتي، بعد أن تبين أن كلاً من خضر وعودة يؤيدان ترشيح المطران يازجي، الذي حاز تأييد شقيقه مطران حلب بولس يازجي، والمطران الياس كفوري، كان من الواضح أن هذا الاتجاه الذي عارض وصول الشدراوي خشي من خروج الكنيسة بعد البطريرك هزيم عن سياسية التأني والتحفظ التي ميزت التعامل مع ثورة سوريا، إلى سياسة أقرب الى النظام السوري.

الجولة الثانية والأخيرة، أنتجت الفارق الكبير لمصلحة اليازجي على حساب الشدراوي الذي نام عشيّة يوم الإنتخاب بطريركاً ليصحو على أكثر من ثلثي أصوات المجمع تصوت ليازجي، وتعطي للبطريرك الجديد ثقة غير محدودة لقيادة السفينة في الزمن الصعب، بما لا يحمّلها أخطاراً لا قدرة لها ولا لرعيتها على تحمّلها.

بعد إعلان النتيجة، بارك مطران المكسيك لمنافسه الفائز ورحل، بارك المطران خضر ما صنعت يداه ورحل، فيما بقي المطارنة عودة، كفوري وإسبر وعشرات الأساقفة بجانب البطريرك يتقبلون التهاني كما لو كانوا جميعاً فائزين.

السيرة الذاتية للبطريرك الجديد توحي بكثير من الحكمة والصبر والتعمق. وقدّاسه الاول في سوريا، حمل في كلمته اكثر من معنى. الدعوة الى السلام تجنب الدخول في اصطفافات خطيرة، يفهم منها الاستمرار في الخط الذي انتهجه البطريرك هزيم. سيشهد البطريرك العاشر سقوط النظام السوري، وسيواكب مرحلة ما بعد هذا السقوط، والأهم من ذلك كله ان تتلمس الكنيسة الارثوذكسة طريقها، لقراءة التطورات السريعة في سوريا على حقيقتها، ما يحتّم عليها ان تكون في المقدمة، وأن لا تغرق في رمال انكار التغيير الحاصل في سوريا والمنطقة وتأثيره على المسيحيين.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل