#adsense

عندما ينكأ ميقاتي جراح أهل طرابلس

حجم الخط

لم يسمع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي بالشهداء الذين سقطوا من أبناء طرابلس والشمال في مكمن نصب لهم في تلكلخ مطلع الشهر الجاري، ولا بالمراحل الثلاث على مدى الأسابيع الماضية التي جرى تسليم الجثامين فيها، لذلك لم يبادر إلى تقديم الواجب بهم لدى شباب المدينة وذويهم الذين تقبلوا المباركة في تضحياتهم، سواء في بهو الجامع المنصوري الكبير أو في قاعة مسجد حربا في باب التبانة.

لم يسمع ميقاتي، ابن طرابلس، شيئاً عن مصير المفقودين والأسرى منهم لدى النظام السوري كي يطالب بهم، والوقوف الى جانب ذويهم والتخفيف عنهم أقله من الناحية الانسانية يبلسم جراحات الامهات الثكالى، ولا ينأى بنفسه عنهم مكتفياً باتصال يتيم ووحيد أجراه مع الصليب الأحمر ليتابع قضيتهم، وكأن القضية متعلقه بشعب آخر يعيش في مكان آخر من الكرة الارضية.

لكنه, ولدوافع انسانية، "وفقاً للموقف الرسمي" سمح بدخول وزير الداخلية السوري محمد الشعار الى المستشفى للمعالجة جراء تعرضه لإصابات في التفجير الذي وقع أمام وزارة الداخلية السورية، فنكأ مجدداً جراحات أبناء المدينة التي لم تعالج أصلاً، وآلام وجراح أبناء باب التبانة الملتهبة، والذين استذكروا المجزرة التي ذهب ضحيتها المئات من أبنائها بإشراف الوزير الشعار نفسه وأمره يوم كان رئيساً لجهاز الأمن والاستطلاع السوري في مدينة طرابلس.

وراح أبناء التبانة يتداولون أن تاريخ 19/12/ 2012 دخول الوزير الشعار، و19/12/1986 تاريخ مجزرة التبانة، الأمر الذي يؤشر إلى وجود قاسم مشترك بينهما، وفقاً للقاعدة الشرعية "بشر القاتل بالقتل ولو بعد حين" وهو ما يوضحه عضو مجلس بلدية طرابلس عربي عكاوي، نجل الشهيد خليل عكاوي الذي اغتيل يومها على يد النظام السوري في محلة باب الحديد، "أن القاتل لا يمكن أن يفر من عقاب الله، فمن يسفك دماء الأبرياء في سوريا، ومن سفكها قبلاً في لبنان هو نفسه، قاتل ولو كره الممانعون التافهون، لذلك فإن مصير الطغاة معروف، ولكن نأسف أن هناك من لا يزال يؤيده ويبرر له القتل والإجرام", وهناك من لا يدافع عنه؟

قال: "ابن طرابلس" بلسانه الذي ينأى عن الصدق أمام الرأي العام، أن تدخل الجيش اللبناني في باب التبانة وبسط سيطرته منع إقامة "الإمارة" وسبقه في ذلك حلفاؤه في حفلات وحملات تجنٍ وافتراء لا مثيل لها من قبل على المدينة وأهلها، وادعى البعض منهم بوجود "القاعدة" والقاعدة الوحيدة هي أن طرابلس مدينة العيش الواحد وما ترتديه في هذه الأيام من حلة وزينة لعيدي الميلاد المجيد ورأس السنة أبلغ تعبير عن جوهرها ومسيرتها المشعة في كل الميادين.

أقر رئيس الحكومة أمام نفر من الإعلاميين "المقربين"منه بالإمارة, ولكن سرعان ما أنكر هذه الأقوال أمام بعض من رجال الدين محاولاً تبرير موقفه بعد أسبوع من الأخذ والرد والخوف والقلق الذي تركه وراء ظهره في المدينة التي تتخبط في لجج من العواصف، ولا سيما عندما نبشت ذاكرة أبناء الفيحاء مجدداً الإمارة التي حاول ما سمي بـ"تنظيم فتح الإسلام" إقامتها من حدود "العبدة في عكار الى حدود المدفون شمالاً، بقيادة شاكر العبسي والذي كان أداة من أدوات النظام السوري يؤجج بها في الساحة المحلية حتى قيض للجيش اللبناني إنهاء هذه الظاهرة الغريبة، بعد أن قدم في معركة "البارد" الشهيرة أكثر من مئتي شهيد ومئات الجرحى والمعوقين وتدمير المخيم بكامله.

على بعد أمتار من المركز الرئيس لـ"جمعية العزم" في باب الرمل حيث التقى رئيس الحكومة بعض الفاعليات المحلية يوم الجمعة الماضي وأدى الصلاة فيه، رفع شباب منطقة النجمة علماً كبيراً لثورة الشعب السوري في الساحة العامة تعبيراً عن توجهاتهم وتطلعاتهم، ووقوفهم إلى جانبه، وهو النازح إليهم يطلب العون والإغاثة.

ووفق ما قاله عضو هيئة العلماء المسلمين الشيخ رائد حليحل في خطبته الأخيرة: "إننا سمعنا أن الواجب الإنساني كان وراء إدخال الوزير السوري الشعار إلى المستشفى، ولم نعرف هذا الواجب الإنساني في إغاثة الشعب السوري الذي يترك وطنه منذ نحو عامين وما زال، يعاني الشعب السوري النازح إلينا وما من جهة رسمية تبادر إلى إغاثته، لقد حجزوا جناحاً خاصاً لمعالجة "الوزير الشعار" ولا ندري من أي مال سينفقون على علاجه، فإذا كان من مال الشعب فإننا نرفض أن تقدم له إبرة واحدة، لأن تاريخ هذا الرجل معروف وباب التبانة شاهد على إجرامه". وتمنى على أبناء طرابلس "التنبه والتضامن لتفويت الفرصة على المتربصين بنا، وبخاصة رأس الأفعى "بشار", ندعو الله أن ينهي ظلمه". وأشار الى أن "بعض الخبثاء تحدثوا عن عودة شاكر العبسي على رأس مسلحين إلى المدينة وبعض وسائل الإعلام روجت لذلك، وما أدراك ما شاكر العبسي وتاريخه في الإجرام في هذه المدينة؟ والبعض الآخر تحدث عن إمارة والهدف من كل ذلك أن يكون أبناء طرابلس حطباً في فتنة يراد لها أن تأكل منهم!".

طبعاً ليس غريباً على الرئيس ميقاتي أن "يشطب" كل ما يقوله بالأمس، هكذا بجرة قلم، فهو اعتاد على ذلك، وبات مشهوراً في تغيير كلامه وتبديله، ومشكلته أنه يقول الشيء ونقيضه بعد أيام وكأن شيئاً لم يكن، يتحدث اليوم بلسان، وغداً بلسان آخر، والمضحك المبكي في ما قاله بالأمس أنه لن يكون سبباً في شق الصف، وشرذمة "الطائفة", علماً أنه كان أول من طعن أبناء طرابلس بخروجه عن التحالف معهم إبان الانتخابات النيابية الأخيرة وارتضى لنفسه أن يكون على رأس حكومة "حزب الله"، ضارباً عرض الحائط بكل خيارات وتوجهات أبناء المدينة الذين ما برحوا متمسكين بثوابتهم، وانقلب عليهم بعد أن انشق من بين صفوفهم متوسلاً طريقاً آخر غير تلك التي اعتاد على السير على خطاها .

في حديثه أنه لن يكون سبباً في شق الصف ينكأ الجراح، وفي حديثه عن الإمارة ينكأ الجراح، وفي حديثه عن الواجب الإنساني "المستجد" لإدخال أحد رموز إجرام النظام السوري للمعالجة ينكأ أقسى الجراح، جراح أبناء باب التبانة الذين وجهوا إليه الملامة بعدم مراعاة مشاعرهم، واستفزازهم وبخاصة أهالي الشهداء الذين يقفون إلى جانب الشعب السوري في ثورته وهو يعيش معاناتهم نفسها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل