هناك حقيقتان لا يمكن تجاهلهما: السقوط القريب للنظام السوري، وحاجة «حزب الله» لإجراء الانتخابات النيابية في ظلّ وجود هذا النظام للحدّ من خسائره.
إذا كان إجراء الاستحقاقات الدستورية في مواعيدها قضية جوهرية، خصوصاً في ظلّ الربيع العربي وانتقال عدوى الديموقراطية وتداول السلطة إلى الدول العربية التي كانت انتخاباتها صُوَرية، فإنّ "حزب الله" حوّلَ الانتخابات النيابية إلى صُوَرية برفضه الامتثال لنتائجها التي آلت لمصلحة 14 آذار في استحقاقي 2005 و2009، ولكنّ أهميتها كانت بإحداث توازن بين منطقيّ الشرعية والأمر الواقع، هذا المنطق الذي انقلب عليه مستخدماً القوة والترهيب للقبض على السلطة.
وإذا كان لا يُخفى على أحد رغبة الحزب في تقريب موعد الانتخابات لتلافي إجرائها بعد سقوط النظام السوري، فإنه بدأ يضغط للوصول إلى صفقة متكاملة تضمن إقرار قانون انتخابي يعكس التوازنات الحالية ولا تُمَكّن 14 آذار من الفوز بالأكثرية لحرمانها الحكم منفردة، وتشكيل حكومة وحدة وطنية، ولَو برئاسة سعد الحريري، توفّر له الغطاء الوطني مع التمسّك بالثلاثية الماسيّة "جيش وشعب ومقاومة".
وإذا كان "حزب الله" يدرك أن 14 آذار ليست في وارد استعادة تجربة المساكنة معه قبل وضع جدول زمني لتسليم سلاحه، فإنه سيعمد إلى افتعال أحداث أمنية لجَرّها مُرغمة إلى الطاولة أو دفع القوى الخارجية للتدخل بغية إنتاج اتفاق دوحة جديد يضمن له تقطيع مرحلة سقوط النظام السوري من دون تقديم تنازلات تُذكر.
ولكن، بمعزل عن كلّ ذلك، أي لو تمّ الافتراض بأنّ "الروح القدس" حلّ على الحزب وقرر الخضوع لمشيئة الناس عبر التسليم بنتائج الانتخابات وإتمامها على قانون الستين وليس أقلّ من ذلك، أي القانون الذي يُفترض أن يوفر أكثرية بسيطة لقوى 14 آذار، فعلى رغم كلّ ذلك لا مصلحة بإتمام الاستحقاق النيابي في توقيته الدستوري، إذ ما الحكمة من إرساء توازنات لولاية مجلسية كاملة تنتمي إلى مرحلة ما قبل سقوط النظام السوري، في حين أن تمديد ولاية المجلس من الربيع إلى الخريف كفيلة بقلب هذه التوازنات رأساً على عقب، والتأسيس لمرحلة وطنية جديدة من دون أثقال نيابية-سياسية تُعرقل هذا المسار الوطني.
لا معنى لإجراء الانتخابات في توقيتها، والتمسّك بالتوقيت تحت عناوين وشعارات تتصِل بالديموقراطية وغيرها هو كَمَن يغالي في الضحك على نفسه ويساهم عن قصد في تجويف الممارسة الديموقراطية عبر تكرار تجارب الانتخابات في الدول الديكتاتورية.
لبنان على مسافة أشهر من سقوط نظام الأسد الذي سيُحدث زلزالاً على مستوى لبنان والمنطقة. وبالتالي، من الأجدى انتظار مفاعيل هذا الزلزال عوضاً عن مَنح "حزب الله" تفويضاً وشرعية لفترة أربع سنوات يستغلّها لإبرام تفاهمات وتسويات تِبعاً لحجمه النيابي وقوته العسكرية، فيما كل الأنظار يجب أن تنصَبّ على لحظة التحوّل السوري لإحداث تحوّل مُوازٍ في لبنان.
فالتغيير المنشود، ويا للأسف، يستحيل توفيره عبر صناديق الاقتراع بفِعل سلاح "حزب الله". ومن هنا أصبح التمسّك بالانتخابات كمَن يتمسّك بعادات وطقوس وأعراف وممارسات وتقاليد فارغة من أيّ مضمون، لا بل مسيئة للديموقراطية وحرية التعبير وللانتخابات نفسها، كونها تساهم في تغطية الأمر الواقع على الأرض المتمَثّل بالاحتلال الإيراني الذي يجب فَضحه ومواجهته، أي استكمال المواجهة التي أعلنتها 14 آذار بعد اغتيال الشهيد وسام الحسن، إنما الذهاب فيها هذه المرة إلى النهاية بعدم الاكتفاء بالمقاطعة فقط، بل بقطع "شعرة معاوية" المسمّاة مسرحية الانتخابات التي تخدم فريق 8 آذار، والرهان على حدث مؤسّس واحد أوحد، لا قبله ولا بعده، ويتجسّد بسقوط النظام السوري الذي وحده سيشكّل المعبر نحو الخلاص الوطني اللبناني.
