في بلادنا الكثير ممّن يعانون حالة دون المعدّل من الوظائف الذهنيّة، مع وجود صعوبات واسعة عندهم في مهارات التأقلم، ما ينتج خللاً مستداماً في أساليب التعبير عن ذواتهم وفي علاقاتهم مع خارجهم. وربّما يعود هذا الإضطراب الى نقص في تغذية العقل أو على الأقلّ سوء تغذيته، فتبدو النتائج في الفظائع التي يأتيها هؤلاء على مستوى الأداء السياسيّ، إذ يبترون رباطهم بالمبادئ الخلقيّة، ويمزجون حقدهم بدمهم، ويسلكون خطاباً همجيّاً تنحر مفرداته إحساس المتلقّي بكرامته، فينتشي هؤلاء الهمج متفاخرين كمن يرقص فوق جِيَف القيم. هذا الإنحلال الرذائليّ النّمطيّ، والذي ينمو تصاعديّاً مع بعض زعماء تيّارات شعبويّة على السّاحة السياسيّة اللبنانيّة، ليس له مَن يستهجنه ممّن يصفّقون على غير دراية، فكأن حالة زعيمهم المَرضيّة انتقلت إليهم بالعدوى، فأصيبوا بعمى الألوان العقليّ. والأدهى أنّهم جعلوا زعيمهم معياراً مُنزلاً للتفريق بين الصّالح والسيّئ، وندّدوا بكلّ مَن خالف هذا المعيار، وارتدت قواعد التقييم عندهم ملابس داكنة، فلم يلحظوا بتاتاً أنّ رمز السّوء واللاّأخلاقيّة والتدنّي في الإنضباط اللّساني، يجد في زعيمهم أرضه الخصبة. إنّ هؤلاء هم حقاً في صراع محتدم مع الموضوعيّة الواعية أو عمل العقل.
إذا كان أصحاب الشأن يمثّلون فكر المجتمع، فإلى أيّ كارثة يقودنا بعض الموتورين الذين يعيشون حالة استنفار شتائميّة، يتأبّطون بتشنّج قاموس العبارات النّابية، يصفعون خجل النّاس، يمتهنون التّدجيل بفظاظة مبتكرة، فيقدّمون – وبكلّ فخر- لمجتمع الأرض صورة ملوّثة عن رقيّنا الأخلاقيّ المشوّه وعن مستوانا السلوكيّ القابع في القعر.
وبعد، هل يحتاج هؤلاء الى إصلاح – كما ينادون – أم الى إصلاحيّة؟
