إحتفل رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر بقداس الميلاد، قبل ظهر اليوم، في كاتدرائية مار جرجس في وسط بيروت، يحيط به نائبه العام المونسنيور جوزف مرهج والمونسنيور إغناطيوس الأسمر والأبوان جو دكاش وجان مارك نمر، وشارك فيه النواب: فؤاد السعد، إيلي عون، إبراهيم كنعان، نديم الجميل، حكمت ديب وناجي غاريوس، رئيس مؤسسة الإنتشار الماروني الوزير السابق ميشال إده، رئيس المجلس العام الماروني الوزير السابق وديع الخازن، الوزير السابق سليم الصايغ، نقيب الصحافة محمد البعلبكي ورئيس الرابطة المارونية جوزف طربيه، الأمين العام للجنة الحوار المسيحي الإسلامي حارث شهاب، رئيس مؤسسة المونسنيور إغناطيوس مارون رشيد جلخ، ممثلو الهيئات الدبلوماسية، القضائية، العسكرية، الأمنية، الإجتماعية والراعوية.
بعد الإنجيل المقدس ألقى مطر عظة العيد جاء فيها: "نسأل في يوم الميلاد المجيد، كيف يمكننا أن نستقبل العيد ومنطقتنا تعبر بحرا من المآسي، من قتل وتهجير وخوف على المصير؟ كيف نسمع أناشيد الملائكة تبشر بالسلام في سماء بيت لحم أو في سماء أي بلد من البلدان المحيطة بها، ودوي المدافع وقرقعة السلاح يصمان الآذان ويوشحان الآفاق بلون أسود؟ لكننا نستدرك للحال ونعلن أننا بحاجة إلى هذا العيد أكثر من أي وقت وإلى فرح الطفولة يرده إلى القلوب، لكون حالتنا سيئة إلى هذا الحد. فالرجاء يصبح مطلبا ملحا عندما يكاد اليأس أن يطغي على الضمائر. ولو لم يكن العالم أصلا بحاجة إلى خلاص، ترى هل كان الله قد أرسل إليه المخلص"؟
واعتبر مطر "انها بالحقيقة حال الدنيا منذ أن فسد التاريخ بمعصية آدم. فالناس ما انفكوا يتقاتلون على كل شيء، على الماء والمرعى قديما وعلى النفط ومصادر الطاقة في الزمن الحديث. يتصارعون على السلطة والإمساك بالحكم والاستئثار به دون منازع. يخافون بعضهم بعضا ولا يستظلون معا خيمة الثقة والتعاون، ويضربون عرض الحائط الرحمة وأخواتها. قد يرومون الخروج من هذا الواقع المر، لكنهم لا يستطيعون إلى ذلك سبيلا. فالخطيئة عطلت العقل في الكون كما عطلت الإرادة والقدرة في آن معاً.
واضاف: "وسط هذه الحال الصعبة، أطل المسيح على الدنيا بمبادرة إلهية شاملة عبرت عن نفسها على ألسنة الأنبياء منذ القديم. فلقد جاء في الصفحات الأولى من الكتاب المقدس، وعلى إثر إغواء الحية لأبوينا الأولين في الفردوس أن الله قال للحية: "سأجعل عداوة بينك وبين المرأة، بين نسلك ونسلها وهو يسحق رأسك". وأشار الآباء المفسرون لهذا الكلام أن المرأة هنا تمثل العذراء مريم وأن نسلها يمثل المسيح المنتصر على الحية وشرورها. واعتبروا هذا الإعلان بمثابة الإنجيل الأول يطلقه الله منذ فجر التاريخ مؤكدا أنه لن يتركنا نتخبط وحدنا في مصابنا، وواعدا إيانا بالخلاص الذي سيتم بالمسيح الآتي. ونقرأ في إشعيا النبي منذ القرن السابع قبل الميلاد: "ها أن العذراء تحبل وتلد ابنا وسيدعى اسمه "عمانوئيل"، الذي يعني "الله معنا". وإننا لنسبح الرب ونشكره على تحقيق هذه الآية أيضا بالعذراء مريم التي حملت طفلها ووضعته في مذود علف، وكأن في ذلك استباقا لوضعه قربانا على المذابح، ليبقى معنا إلى الأبد. وعلى هذه الصورة أيضا تكلم عن المسيح الموعود جميع الأنبياء، فانتظره الشعب القديم كله كما الساهر ينتظر الفجر. ولم يكن هذا الانتظار ليقتصر على شعب واحد، بل كان حال البشرية كلها في توقها إلى حياة أفضل".
وتابع: "بهذه الروح عينها قرأنا ونقرأ اليوم في إنجيل الميلاد للقديس لوقا أن الرعاة الذين كانوا ساهرين في أرجاء بيت لحم، وهم يمثلون الإنسانية كلها في تلك الليلة العظيمة، قد سمعوا الملاك يبشرهم بفرح عظيم، معلنا أن هذا الفرح لن يكون لهم وحدهم، بل للعالم كله، لأنه ولد اليوم المخلص الذي هو المسيح الرب، في مدينة داود. "وفجأة، يضيف الإنجيلي قائلا، ظهر مع الملاك كثير من جنود السماء، يسبحون الله ويقولون: المجد له في العلى وعلى الأرض السلام والرجاء الصالح لبني البشر". فبدا جليا من كلامهم أن سلام المسيح يوجه إلى جميع أهل الأرض وأن الرجاء الصالح نعمة لكل أبناء البشر من دون استثناء".
واضاف مطر: "سر الطفل المولود من مريم في مغارة بيت لحم أنه هو المسيح الموعود بالذات، الذي تاقت إليه الأجيال والذي ندعوه في صلواتنا "رجاء الآباء وانتظار الشعوب". إنه المرسل من الآب، وكلمته الأزلية السماوية له في الجوهر، الذي شاء أن يتخذ جسما من العذراء فدخل إلى عالمنا إنسانا كامل الناسوت وإلها كامل اللاهوت. وقد حمل معه إلى الأرض هدية الحب المطلق لينقذ به البشرية صنيعته وجبلة يديه. فينير لها طريقا ضيعت مساره، ويغسل قلوب أبنائها بالرحمة ويزيل عنها ثوب عارها ليعطها من جديد حلة تليق بالتبني الإلهي الذي سيمنحها إياه. سوف يكلفه هذا العمل دماءه التي أهرقها على الصليب، لكن محبته هذه لن تتراجع وهو الذي قال فيها: "ما من حب أعظم من هذا وهو أن يبذل الإنسان نفسه فدية عن أحبائه".
وتابع: "هذه هي مبادرة المسيح تجاه أهل الأرض شعوبا وأفرادا؛ بها يعيد الأخوة بين الناس بفعل أخوته لهم ويزرع في قلوبهم روح المصالحة وفي حياتهم نعمة السلام. ولقد صور عمله الخلاصي هذا بشفائه مخلع الإنجيل الذي حمله أهله إليه، فبادر أولا إلى مغفرة خطاياه، ليكون الرجل على علاقة سليمة مع الله، وأمره ثانيا بقدرة إلهية عجيبة أن ينهض من سريره ويمشي ذاهبا إلى بيته. لكن هذا المشروع الإلهي المنطلق من الآب بابنه الحبيب وبقوة روحه القدوس، يتطلب أيضا تجاوبا منا وقبولا ليتم لنا الخلاص. هنا المشكلة كلها وهنا الحل. فالله الذي خلقك بدونك أيها الإنسان لن يخلصك بدونك. وبهذا المعنى كان يوحنا الرسول واضحا في إنجيله عندما قال: "أتى المسيح إلى خاصته وخاصته لم تقبله. أما الذين قبلوه فقد أعطاهم سلطانا أن يصيروا أبناء الله".
وسأل مطر "فإلى أي فئة من الناس نحن في الحقيقة منتمون؟ هل نحن ممن يقبلون محبة المسيح عنوانا لحياتهم فيستمر فيهم العيد ويعطي ثماره الوفيرة. أم نحن، لا سمح الله، من الذين لا يبالون بالعيد ولا يرون فيه دعوة للقاء ربهم وخلاصا؟ فلنسأل صاحب العيد أن نكون من محبيه ومن تابعيه وأن يكون لنا نصيب معه فهو لنا خير نصيب".
وقا مطر: "إذا ما نظرنا إلى وطننا العزيز لبنان وإلى أخواننا في المنطقة المحيطة كلها، فإن عيوننا تدمع لما يجري في كل بلد من بلدانها، وعقولنا ترفض التعثر الخطير في مواكبتنا ركب الحضارة والتقدم الإنسانيين. نحن لا نقبل أن ينقسم شعب لبنان إلى فئات تتنكر بعضها لبعض وتقاطع بعضها بعضا وكأننا أنكرنا وطنية الآخر وصرنا كلنا بلا روح جامعة. وكيف لنا أن نقبل حالة يرفض فيها المسؤولون حتى التلاقي في ما بينهم للحوار حول أمورهم الكبيرة قبل الصغيرة، وعلى مواجهة الاستحقاقات الراهنة يدا واحدة؟ أفلا ندري أن التقصير في هذه الاستحقاقات، من انتخابات وقانون انتخاب، يهز مصداقيتنا في العالم ويؤخر اقتصادنا إلى وراء الخطوط الحمر؟ وإذا ما عجزنا عن إيجاد الحلول المطلوبة للخروج من الوضع الذي نحن فيه، أفلا نعلن هكذا، وبصورة غير مباشرة أننا عاجزون عن حكم ذاتنا بذاتنا وأننا لا نستحق قيادة هذا الوطن ولا حتى الحفاظ عليه"؟
وأضاف: "أما أخواننا في المنطقة العربية الشقيقة، فإنهم أمام محنة شبيهة بمحنتنا، إذ إن شياطين بعثرتهم إلى طوائف متناحرة تستدرج لها فرصة نادرة للنجاح في عملها المريب. هذا فيما الحل لنا ولهم يكمن في قبول الناس بعضهم لبعض بالمحبة والمساواة وفي اعترافهم بأنهم سيعيشون معا ومعا يخدمون الحضارة. كلنا في هذا الشرق أبناء أصيلون، فكيف يرضى واحد منا أن يصبح قاهرا وسط مواطنيه أو مقهورا؟ أما الخطر الأشد علينا جميعا فهو كامن في خسارة قيمنا الروحية السامية، لأن المرسوم لها من قبل الله هو أن ترفعنا أدياننا من حال الانقسام إلى حال الوحدة، فيما الخطر داهم بتحويلها إلى عامل فرقة وانقسامات، وهذا ما لا يرضي الله ولا يرضي الضمير".
وختم: "فهلا أخذنا من هذا العيد الفضيل، عيد المحبة والأخوة والسلام فرصة لنا لإعادة النظر في تصرفاتنا حيال أنفسنا وحيال بعضنا البعض، فنسير في إثر الحوار والتوافق والسلام. ولندرك أننا إذا كنا لا نقيم الحق في داخل صفوفنا نحن الأقرباء، فكيف نستطيع أن ننتزع حقوقنا السليبة من مغتصبيها الغرباء؟ فألهمنا يا رب في عيد ميلادك المجيد أن ننزع إلى التصافح الوطني وإلى تقوية روح الأخوة فينا، يا من صرت لنا أخا في الإنسانية ومنقذا من الشر والموت، فنعرف إذ ذاك فرح العيد، ونشكر رحمتك لنا وأنعامك علينا".
وكان المطران مطر إحتفل في الكاتدرائية بقداس نصف الليل يحيط به رئيس الإكليريكية المارونية المونسنيور عصام أبي خليل والمونسنيور إغناطيوس الأسمر والأبوان جو دكاش وجان مارك نمر.