"هذه مأساة إنسانية ولا يجوز…"
يسكت سمير جعجع رافضاً التعليق بكلمة على الضجة التي أثارها اقتراح بعض الوزراء والسياسيين غلق الحدود مع سوريا لمنع انتقال النازحين إلى لبنان. الأرجح أنه كان يريد القول إن التعاطي والمسألة من باب السعي إلى كسب سياسي لا يجوز.
في السنة السادسة بعد خروجه من السجن يتحضر الرجل الذي لا يتعب من الصراعات على أنواعها لسنة جديدة تبدو حافلة بالتحديات. يرسم خط تماس سياسياً مع الطرف الآخر الذي لا يعترف سمير جعجع عملياً إلا به خصماً في فريق 8 آذار: "حزب الله". الجنرال ميشال عون؟ كان خصمنا في ما مضى".
تحلو لسياسيين يتعاملون في شكل شبه يومي مع جعجع المقارنة بينه وبين الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله. أيّد رئيس حزب "القوات" الثورات العربية على الديكتاتوريات الراسخة من غير أن يخسر قاعدته في البيئة المسيحية، في حين انغلق السيد نصرالله على بيئته الشيعية – و"الشيعية انفتاح"، يقولون – وعادى في المقابل العالم العربي والإسلامي الأوسع. لا بل الأصح في حسبانهم إنه يوالي مذهباً داخل مذهب ويقيم دويلة داخل الدولة . عملية سبقه إليها جعجع بعشرين سنة وخلص إلى اقتناع بأن لا بديل من الدولة، فيصرّ عليها ويبني كل مواقفه على أساسها، سواء في السياسة أو في التعامل مع المحازبين والأنصار والسلطات الأمنية والقضائية .
عندما قال جعجع "وداعاً للسلاح"، شكك كثيرون في نهائية كلامه وصدقه، ولطالما دققوا ونقبوا منذ خروجه من السجن عام 2005 لإثبات خرق أو شواذ في هذه القاعدة يرتكبه حزبه، ولكن عبثاً حتى كلّوا وملّوا وما عادت هذه الأسطوانة تمرّ حتى في وسائل الإعلام. في المقابل لا يزال يتمسك حزب السيّد بسلاحه ويخسر كل يوم المزيد من رصيده حتى في الدويلة الوهمية التي يعجز الحزب عن ضبط أمنها والحؤول دون تفشي ظواهر السقوط الأدبي والأخلاقي فيها بتورط من قياديين أو محسوبين عليه أحياناً وغالباً.
للتذكير فقط أقامت"القوات اللبنانية" دويلة بحجم دولة في مرحلة من الثمانينيات، وعلى رغم كل ما شابها من سيئات في حقبة شديدة السواد وطنياً، استطاعت حماية نمط من الحياة كان يُحسد عليه لبنانيو تلك الدويلة بين مثيلاتها. أما دويلة "حزب الله" الحالية فحدّث ولا حرج عن أساليب الحياة فيها وشروطها.
يعود ذلك إلى حد كبير لحقيقة أن السلاح يقود السلوك غالباً. فسمير جعجع الذي طلّق آلة الحرب يعتذر علناً عن أخطائه وأخطاء غيره وخطاياهم جميعاً في زمن الحرب وسامح المسيئين إليه وإلى من كان يدافع عنهم. السيد نصرالله ومن يوالونه لا سامحوا ولا أبدوا يوماً أي نية لتقديم اعتذار. 7 أيار في أعرافهم "يوم مجيد" وليس باعثاً إلى طلب مصالحة، وكل العالم من كبيره إلى صغيره متآمر ضد حزب السيّد وسلاحه "المقدّس" مما ينفي أي جدوى لحوار معه وعليه.
يفترق الخيار إذاً عند نقطة السلاح بين مقاتل الأمس الذي تحوّل سياسياً بامتياز تفتح له أبواب العرب من غزة إلى القاهرة والرياض، ويفتح أبوابه في معراب وإن خلف أسوار عالية، المتشبث في مكان ما في الضاحية الجنوبية بسلاح مقاومة تتذرع بقطعة أرض متنازع عليها بين لبنان وسوريا وإسرائيل. سيأتي يوم يشمل الترسيم بقعة الأرض تلك بعد سقوط أعذار نظام الرئيس السوري بشار الأسد فأي مبرّر سيرفع الحزب ليواصل تجريب المُجرَّب؟