صار الأمر أشبه بالعادة السيئة: كلّما وجّه بشار الأسد رسائل تحمل ما يعتقده إشارات قوّة وبقاء، تأكد للجميع أكثر فأكثر، أنّ أحواله في مكان آخر مختلف تماماً.
والعادة الأسديّة دمويّة وصلفة. ورسائله دائماً حمراء قانية. وفيها جرعة إضافية وزائدة عن يوميّات المذابح والقصف والقتل العشوائي للسوريين.
في بعض تفاصيل تلك الممارسة مع اللبنانيين، أنّ الدنيا كانت تشتعل عشيّة وصول أيّ موفد خارجي عربي أو أجنبي إلى بيروت.. وفي تفاصيل يوميّات السوريين أنّ موتهم يتكثّف، وطرقه تتشعّب كلما قرّر الموفد العربي الدولي الأخضر الابراهيمي المجيء إلى دمشق… وقبله كانت زيارات كوفي عنان مناسبة لتوزيع وتنويع القتل وآلاته، وإن كانت "الريادة" أيّامها للسيارات المفخّخة وفي قلب دمشق أكثر من غيرها. باعتبار أنّ الرسالة عن "مواجهة عصابات إرهابيّة أصوليّة" لا تصل إذا كانت نائية في جغرافيتها، ولا تؤثّر في الأطراف تأثيرها في العاصمة.
قبل الإبراهيمي وفي موازاة عنان، كان حضور المراقبين الدوليين (مَنْ يتذكّرهم؟) مدعاة لاستعراض قوّة نارية استثنائية من قِبَل كتائب الأسد وشبّيحته كي لا يعلق في أذهان هؤلاء أو يُكتب في تقاريرهم ما فيه أي شبهة إلى "تراجع" قوّة النظام وضمور هيبته وحضوره العسكري والأمني.
غير أنّ المحصّلة العامّة لكل ذلك "الجهد" الإجرامي كانت أصدق وأدقّ من الرسائل الدموية للنظام… وأدّت إلى تجذّر العمل الهادف إلى إسقاطه، وإلى تحرّك جغرافيته اتساعاً وليس انكماشاً، وإلى تبلور قناعة واحدة لدى منقسمين دوليين واقليميين مؤداها الماسّي، أنّ الأسد "كان" حاكماً لسوريا. لكن الفعل الماضي هذا لا يزال ناقصاً دواعي الحاضر وشروط المستقبل كي يكتمل العقد ويصحّ البيان وتعتدل اللغة وتستقيم سوريا.
… مَن استمع إلى وزير الإعلام الأسدي قبل أربع وعشرين ساعة من وصول الإبراهيمي إلى دمشق، افترض أنّ الديبلوماسي العربي سيأتي مستعطفاً الأسد قبول "استسلام مناوئيه بطريقة مشرّفة.. ثم الصفح عنهم". باعتبار أنّ التشبيح اللغوي لا تكتمل مفاصله وتفاصيله من دون الإيحاء بأنّ الانتصار على الباب "لكن السوري لا ينتصر على السوري" على ما قال عمران الصحاف الزعبي. وكان لا بد، من أجل ردف تلك الهلوسة الانشادية بشيء من البأس القتّال، من ارتكاب مجزرتي الخبز في حلفايا بريف حماه وقرب تلبيسه في ريف حمص.
لا يفاجئ النكران الأسدي لحقائق سوريا الميدانية والسياسية المستجدة. ولا تختلف اليوم عمّا كانت عليه بالأمس، التوقعات اليقينية إزاء فعله أو ردّ فعله حيال ما يحصل.. ويخطئ مجدّداً، مَن يفترض شيئاً من العقلانية في كل ذلك. لكن الكارثة هي أنّ ذلك الأداء في مجمله، يستمر على وتيرة واحدة في مواجهة حالتين مختلفتين: في مواجهة السوريين أولاً، ثم في مواجهة خطّة مشتركة غربية روسية حملها الإبراهيمي وحاول إيصالها إلى "هدفها" ثانياً.
ولا أحد غير الأسد، ينكر أو يتجاهل الفارق الجوهري والحاسم بين المواجهتين.. بل وأكثر من ذلك، فهو يسعى إلى تأكيد ذلك النكران من خلال محاولة الإيحاء بأنّه لا يزال قوياً وحاضراً، ومَن لا يصدّق فليستمع إلى عمران الصحاف الزعبي وبعدها فليلقِ نظرة إلى دماء وأشلاء أطفال مجزرتي الخبز في ريفي حماه وحمص!