#adsense

«مسيحيّو سوريا شأنهم شأن مُسلميها»

حجم الخط

«ما يجري علينا يجري على الآخرين، وما يجري على الآخرين يجري علينا، نحن مع الجميع مسيحيين ومسلمين متكاتفين متحمّلين مواجهين للصعوبات».
أعظم ما في هذا الكلام العائد لبطريرك انطاكيا وسائر المشرق للروم الارثوذكس يوحنا العاشر يازجي أنه لا يتعامل مع المسيحيين في سوريا بوصفهم جالية أجنبية بحاجة إلى حماية "صليبية"، أو يبرّر انخراطهم في المواجهة مع النظام تحت عنوان "الخوف من الآتي"، إنما أهميته تكمن في مساواته المسيحيين بالمسلمين باعتبارهم مواطنين فئة أولى لهم ما لشركائهم في الوطن من واجبات وحقوق، أي الانطلاق من البعد الانساني المدني لا المعيار الأقلوي الطائفي الذي يستحضر حمايات مشبوهة ومخاوف وهمية تدفع أصحابها إلى الوقوف في الجانب الخطأ من التاريخ، والأسوأ وقوفهم مع المجرم ضد الضحية، ومع الشر ضد الخير بما يناقض أساساً الرسالة المؤتمنين عليها انطلاقاً من إيمانهم وتعاليمهم المسيحية.

إن إثارة هذه القضية عائد لارتباطه أولاً باحتفالات عيد الميلاد والشكوى من اكتفاء المسيحيين بالصلوات داخل الكنائس أو ملازمتهم المنازل خشية الأوضاع الأمنية غير المستقرة، وثانياً لارتفاع منسوب الكلام عن وضع المسيحيين مع اقتراب الاشتباكات من مناطق تواجدهم، فضلاً عن الحديث عن مصيرهم بعد سقوط النظام.

وما ينطبق على المسيحيين في هذا المجال ينسحب على المسلمين الذين يعيشون القلق نفسه من الحاضر والمستقبل، ويلازمون منازلهم في الأعياد والأيام العادية بعد تحوّل الوضع في سوريا إلى حال طوارئ. وبالتالي، فإنّ الشكوى هي في غير محلّها كون البلاد تشهد حرباً فعلية، وكل الشعب السوري مهدد من قبل النظام الذي يُقسّم الناس إلى قسمين: معه وضده، ولا يقبل بالحياد الذي يصنفه في الخانة الثانية.

لم يكن أحد في وارد تحميل المسيحيين منذ انطلاق الثورة أكثر من قدرتهم على الاحتمال، وكان هناك تفهّم من قبل الثوار لهواجسهم التاريخية، ومن هنا كانت الدعوة لهم لعدم الانخراط في الثورة وألّا يكونوا وقوداً للنظام بطبيعة الحال، وأن يعمدوا إلى تحييد أنفسهم بالحد الأدنى. فالمشاركة المسيحية مع أحد طرفي النزاع هي نوعية أكثر منها فعلية، ويتوقف على المسيحيين الخيار بين أن يتحوّلوا إلى أكياس رمل يستخدمهم النظام في مواجهته من أجل إبقاء القديم على قدمه في سوريا، وبين أن يكونوا جزءاً لا يتجزأ من عملية التغيير التي لا يمكنهم الوقوف في وجهها ربطاً بتجربة الثورات العربية التي سبقت والوقائع السورية على الأرض التي لحقت.

وإذا كان مبرراً، ربما، وقوفهم على الحياد في المراحل الأولى للثورة انطلاقاً من واقعية أو براغماتية سياسية، فإن الاتجاهات الحاسمة للتطورات الميدانية والديبلوماسية المتصلة بالسقوط الحتمي للنظام السوري لم تعد تسمح بأنصاف الحلول، لأنّ استمرار وقوفهم على الحياد يحدّ من قدرة تأثيرهم وحجم دورهم في المراحل اللاحقة لسقوط النظام.

قد تكون المخاوف من الصعود الإسلامي أو الحركات الإسلامية مشروعة، ولكن هذه المخاوف لا تستدعي إطلاقاً الاحتماء بأحضان النظام، وأي خطوة من هذا النوع هي جريمة بحد ذاتها، فيما هذه الحركات هي أكثر من ضرورية حالياً لمواجهة النظام وإسقاطه، وفعاليتها على الأرض واضحة للعيان، ولعلّ سبب نموّها وتوسعها عائد لتخَلّي الغرب عن الشعب السوري من جهة، والجرائم المروّعة التي ترتكب يومياً من جهة أخرى، ما دفع هذه الفئات إلى "التسلّح بالدين" لمواجهة آلة القتل.

فردّة الفِعل على الخوف يجب أن تكون اقتحامية لا انكفائية، بمعنى البحث في كيفية تحويل المسيحيين إلى قوة ضاغطة من أجل ثورة مدنية، خصوصاً أن تركيبة المجتمع السوري والمعارضة المنبثقة منه، بدءاً من المجلس الوطني وصولاً إلى الائتلاف المعارض، هي مدنية بامتياز، ويكفي أيضا التبصّر بالتجربة المصرية التي لم يكن أحد يتوقع أن تستنزف المسلمين وحكمهم بهذه السرعة القياسية، فضلاً عن ظهور القوى المدنية في بيئة إسلامية بمظهر القوة الاستثنائية الرافضة أيّ مساس بمنطلقات الثورة وأهدافها، ما يؤكد للمرة الألف أنّ ما قبل الثورات يختلف عمّا بعدها.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل