لم يكن مفاجئاً ما كشفته الوثائق البريطانية وهي مراسلات وتقارير رفعت إلى رئاسة الحكومة البريطانية عن مجريات المفاوضات لرفع الحصار عن بيروت أثناء الاجتياح الإسرائيلي والتي شارك فيها الموفد الأميركي فيليب حبيب، وكيف رفض عرفات نقل قواته من العاصمة اللبنانية إلى دمشق، وكيف أبلغ مفاوضين عرباً رفضه وضع عنق القضية الفلسطينية «في أيدي الأسد الماكر الخبيث الغدار»،وكانت مخاوف الرجل في مكانها، فالأسد الأب لم يتردد في تدمير مدينة طرابلس اللبنانية على رؤوس سكانها بحجة إخراج ياسر عرفات الذي عاد متسللاً إلى لبنان، وللمرة الثانية غادر أبو عمار لبنان بعد فشله في تهجير مسحييه وتحويله إلى وطن بديل، مع نجاحه في تدميره مرتين،الأولى بعد تدمير بيروت، والثانية بعد تدمير طرابلس، وبالنيابة عن الجيش الإسرائيلي!!
و»الأسد الماكر» لم يلبث أن أخرج من جيبه ورقة انشقاق أبو موسى وتشكيل ما سمّي بفتح الانتفاضة، وللتاريخ، أكثر من دمّر القضيّة الفلسطينيّة هما الأسدان الأب والابن، فالثاني ورث عن الأول فكرة أن «لا شيء اسمه فلسطين ولا لبنان ولا الأردن»، كلّ هذه الدول «ملك أبيه وحقّه ودولته الكبرى!!».
لا يحتاج الأمر هذه الدهشة إزاء ما يُسمّى بدولة الممانعة، ولا حتى إلى الوثائق البريطانيّة ، فالعودة إلى لبنان العام 1976 كافية لكشف الوجه الحقيقي لممانعة الأسد الأب وعلى غرارها الأسد الابن، ثمّة سطور على كلّ لبناني أن يحفظها حتى لا يعيد التاريخ نفسه: «سوريا ولبنان عبر التاريخ بلد واحد، وشعب واحد وهذا الأمر يجب أن يدركه الجميع …ومن اجل هذا قدمنا السلاح والذخائر، وقررنا أن ندخل تحت عنوان جيش التحرير الفلسطيني، وبدأ هذا الجيش بالدخول إلى لبنان ولا احد يعرف هذا أبداً، لم نأخذ رأي الأحزاب الوطنية ولا غيرها ولم نأخذ أذنا من أحد …»[من الخطاب الذي ألقاه الرئيس السوري السابق حافظ الأسد على مدرج جامعة دمشق في 20 تموز 1976 مبررا اجتياح قواته للبنان] .
سنة 1995 في 7 نيسان كشف جدعون رافايل الذي كان سفيرا لإسرائيل في بريطانيا آنذاك أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق اسحق رابين أعطى سوريا موافقته الخطية عام 1976 على دخول قواتها إلى لبنان؛وقال رافايل في مقابلة نشرتها صحيفة «هآرتس» إن اسحق رابين الذي كان رئيسا للوزراء تبلغ خطط سوريا لدخول لبنان من الملك الأردني حسين.
وأوضح السفير انه التقى العاهل الأردني الملك حسين بطلب من الأخير في 11 نيسان 1976 في لندن، وقال:»وعدنا الملك حسين باسم الرئيس السوري حافظ الأسد أن الجيش السوري لن ينتشر في جنوب لبنان ولن يقترب من الحدود مع إسرائيل وانه سيعمل على ضبط كل الجماعات الفلسطينية المسلحة التي قد تفكر بشن عمليات على شمال إسرائيل»، وأضاف رافايل :»أن الرئيس السوري حافظ الأسد تعهد لرئيس وزراء إسرائيل أن العملية السورية كانت فقط ضد منظمة التحرير الفلسطينية وانه سينسحب فور عودة الهدوء». ونقلت الصحيفة حرفيا عن سفير إسرائيل السابق في بريطانيا جدعون رافايل : «أن رابين وافق على دخول القوات السورية في رسالة وجهها إلى العاهل الأردني في 28 نيسان 1976 ولا تزال محفوظة في أرشيف رئاسة الوزراء في إسرائيل (…)».
وكأن هناك من لا يزال يشكّ في أن من يدّعي ، ويدّعي حلفاؤه أنه نظام الممانعة الأخير في المنطقة، ليس أكثر من نظام حرس حدود والجبهة النائمة بموجب اتفاقية سينشر التاريخ يوماً حقيقة أنّ ركوب حافظ الأسد الرئاسة كلّف سوريا تسليم الجولان لإسرائيل!!
أما الذين يدّعون أن الأسد الابن هو حامي حمى ما يسمّى «المقاومة» ـ وهي في الحقيقة «احتلال إيراني موصوف للأراضي اللبنانية ـ فنحيلهم إلى مفاوضاته مع العدو الذي كان يعمل القتل في جمهور المقاومة عام 2006 فيما الأسد الإبن كان يفاوض هذا العدو في تركيا!!
عندما أوشك جيش الاحتلال السوري على الدخول إلى لبنان عام 1976 نقلت وكالة الصحافة الفرنسية تصريحاً لموشى دايان في5 حزيران 1976 قال فيه:»إن على إسرائيل أن تظل في موقف المراقب، حتى لو دخلت القوات السورية بيروت لأن دخول القوات السورية في لبنان، ليس عملاً موجهاً ضد أمن إسرائيل».