كتبت كارلا خطار في "المستقبل":
يعاني وزراء "حكومة السلاح"، منذ توليهم الانقلاب على الدستور والديموقراطية، من "قصر" في "النظرة" وتقصير في الأداء. فالكوب، بغض النظر عن كمية المياه التي يحتويها، لا ينظرون فيه إلا الى نصفه الفارغ فقط ليلقوا الملامة على قوى 14 آذار، من دون أن يحاولوا مرة واحدة أن يملأوا ذاك الفراغ… ليس لأن الحكومة "منحوسة" لأنها أتت على أكتاف القمصان السود إنما لأن ما تعمل من أجله اغلبية وزرائها ليس من المقدّر أساساً أن يصبّ في مصلحة لبنان.
صدق وزير السياحة فادي عبود حين قال: "وقعت البقرة وكثر السلاخون"، إلا أن النظرة الشاملة منذ أكثر من عام على الأحداث الدائرة في المنطقة وتأثيرها على لبنان بفعل سياسة "النأي بالنفس" التي ابتكرتها "حكومة بشّار"، تحمل المحلل على البحث عمن أوقع البقرة… فالسؤال إذاً، من أوقع البقرة ومن استفاد من سلخها؟
هل هم قوى 14 آذار؟ بالطبع لا، لأنهم وقعوا فريسة الاغتيالات والسلاح غير الشرعي وقد خسر لبنان خير رجاله في خلال 8 سنوات، فماذا فعل الفريق الآخر لضبط الأمن؟ انقلب على الدستور والديموقراطية واخترق القوانين، فيكون بذلك الفريق الآخر وكل حلفائه، وعلى رأسهم التيار "العوني" الداعم للسلاح غير الشرعي، قد أوقعوا لبنان في فجوة من الفراغ الدستوري وإن بوجود حكومة شكلية لا تخدم سوى مصالح نظام الأسد.
والإيقاع بالدولة لم يكن "لوجه الله" إنما لوجه "حزب الله" لكي يضمن حقّه ويسيطر على كل مرافق الدولة: فكانت "افتتاحية" الانقلاب طعاماً فاسداً، ومازوتاً أحمر، انقطاع الكهرباء، وعشائر تخطف الأجانب والعرب الذين أتوا الى لبنان للعمل أو للسياحة، أدوية فاسدة، ماكينات تصنّع الكابتاغون، تهريب الممنوعات، انتشار السلاح وسلاح عابر للحدود، تشريع الحدود وقتل لبنانيين، محاولات اغتيال وعمليات اغتيال، وتهريب مجرمي الحرب والعملاء من الحلفاء وغيرها من الأمثلة على الفساد الذي يتلمّسه المواطن يومياً كعدم تطبيق القوانين المتعلّقة بوزارة السياحة وبالتدخين في الأماكن المغلقة… ولم إذاً سيأتي السياح؟ وما ذنب السائح لكي يأتي الى لبنان ويختفي في أزقة الضاحية الجنوبية؟ وما هو الذنب الذي ارتكبه أهالي المخطوفين في سوريا؟
في كل هذا، وحدها حكومة السلاح تتحمّل المسؤولية، وإذا كان دخولها انقلاباً فعلى أي شكل سيكون رحيلها؟ ومحقّ الوزير عبود حين يقول إن كل دول الإمارات استفادت من عدم مجيء السياح الى لبنان، هذا صحيح من دون شكّ خصوصاً أن تلك الدول لم تنقلب على وطنيّتها، ولم تضع في أولوياتها سوى مصالح أبنائها، ولم يتم فيها اختطاف أي لبناني هرب من حكومته من أجل تأمين لقمة العيش. آن لهذه الحكومة ولكل المعنيين فيها بالسياحة أن يدركوا أن لبنان لم يفرغ من السياح وحسب إنما بسببهم يفرغ من أهله أيضاً، وقد حان الوقت لكي يعلموا أن السياحة البيئية والصحية والأثرية وحتى الدينية في لبنان الذي يحكمونه بالسلاح فقدت كل رونق، بعدما ارتضت "حكومة السلاح" أن تستبدلها بـ"السياحة الحربية". ففي السياسة الديبلوماسية، إن كل حكومة ترسم لنفسها خطاً على أساسه يتكوّن التعامل بينها وبين حكومة أخرى في بلد آخر. وها هي حكومة الانقلاب تحصد ما زرعته!
الكل يعلم أن هذه الحكومة ليست بحاجة إلى أفكار "نيّرة" في السلاح والتسلّح والانقلابات والخطف وخرق القوانين، إنما، وبما أن المجال مفتوح والحكومة "واسعة الصدر" فمن المجدي لخطّتها التهجيرية لكل السياح واللبنانيين أن تقيم متاحف متخصصة تعرض في بعضها المخطوفين من عرب وأجانب، وتقيم متحفاً آخر للسلاح المهرّب من سوريا، وبعض الصور لمدخنين في الأماكن العامة المغلقة، وتستعرض في آخر المسروقات من سيارات وحقائب سُرقت من اللبنانيين، وآخر لمجرمين قتلوا أو اعتدوا على مواطنين لبنانيين "بفضل" السلاح المتفلّت بين اللبنانيين، وآخر للعملاء "الأبرياء"، وآخر لبعض الملابس من قمصان سود لتاريخ أسود.. و"يا هيك تكون السياحة.. يا بلا".
في ردّ من قوى 14 آذار على كلام عبود، يرى الأمين العام لحزب "القوات اللبنانية" عماد واكيم أنه "من المهمّ الاتفاق بداية على مفاهيم الدولة، وفي تحليل رجال القانون والدولة معاً وبغض النظر على من يقع الحقّ فإن السلطة الحاكمة هي التي تتحمّل مسؤولية ما تؤول إليه أوضاع بلادها، بما أن كلام رجال الدولة له أولوية، فمن يحكم يتحمّل كل المسؤولية".
ويتابع: "لم يقطع أي طرف من قوى 14 آذار طريق المطار، ولم يخطف أحد منّا أتراكاً أو عرباً، وبالتالي فهذا القول مردود حيث إنهم في السلطة وهم حتى الآن لم يثبتوا أنهم فاعلون لا في السياسة ولا في ضبط الأمن، خصوصاً أن حليفهم "حزب السلاح" يقوم بكل هذه الممارسات في مؤازرة السلطة السورية، واتباعهم سياسة النأي بالنفس أدّى الى أن تتّخذ الدول العربية قراراً بمنع رعاياها من التوجّه الى لبنان".
ويعلّق واكيم: "السياح لا يزورون لبنان لأسباب سياسية أمنية، والسلطة الحاكمة قابضة على الأمن، ورعاتها ومن أتوا بها يفضّلون استخدام السلاح وهذا ما يؤدي الى هروب السياح، إضافة الى أن اللبنانيين من مغتربين وأبناء هذا البلد ما عادوا يجرؤون على المجيء الى لبنان إلا بأعداد قليلة"، متسائلاً: "كيف سيأتون وقد شاهدوا على الشاشات إغلاق طريق المطار والمسافرين يجرّون حقائبهم الى جانبهم؟".
بدوره، يردّ عضو المكتب السياسي في تيار "المستقبل" مصطفى علوش قائلاً: "يبدو أن الوزير عبود بات هو المكلّف الآن بكيل الشتائم والاتهامات، والواقع أن كل أفراد هذه الحكومة باتوا مصابين بنوع من النسيان السياسي". ويضيف "سياسة الحكومة وضعتها في خدمة منطق "حزب الله" وبلطجيته وخدمة النظام السوري وفشلها في إدارة البلاد في الاقتصاد والأمن والاجتماع.. كل هذا أدى الى تردي الوضع الاقتصادي".
ويخلص إلى انه "لن ينفع الوزير عبود كيل الشتائم، وإن كان فاشلاً في هذه المهمة متّهماً قوى 14 آذار فليسلّم المسؤولية الى أصحاب الشأن". داعياً عبود الى أن "يتذكّر مع حلفائه الى أين أوصلوا البلد بعدما تمّ تهديد السياح وبات الأمن غير مضبوط، بالإضافة الى الأوضاع المتوتّرة والانقلابات…"
ويختم علّوش قائلاً: "إذا كان هذا الفريق غير قادر على معالجة الشؤون الاقتصادية وهي الأساس في أي بلد، فليستقل ولتستقل هذه الحكومة وتفسح الدور لغيرها".