يبدو أن سفير النظام السوري في لبنان علي عبد الكريم العلي لا يعترف باتفاقية جنيف الموقعة في العام 1961، والتي ترعى العلاقات الديبلوماسية بين الدولة المضيفة والسفير المعتمد لديها، فهو إما لا يعير هذه الاتفاقية أي أهمية، او لأن لبنان لا يزال بنظر النظام الذي يمثله خاضعاً لوصايته وبالتالي يتعامل معه كإحدى محافظات القطر السوري.
لم تكن المرة الأولى التي يعتلي فيها علي منبر وزارة الخارجية اللبنانية، ليطلق عبرها مواقف تسيء إلى لبنان، الدولة المضيفة، أو للتدخل في شؤونه الداخلية، وكان بالإمكان اعتبار آخر مآثره ما أدلى به مطلع الأسبوع الحالي وتهجّمه على وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور، لكن للأسف تكرر الأمر اليوم، بعدما أدلى بدلوه من دارة "حليفه" البرتقالي في الرابية.
ربما أراد السفير العلي عدم "إحراج" وزير الخارجية اللبنانية عدنان منصور، على ضوء المداخلة التي أدلى بها رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في مطلع جلسة مجلس الوزراء أول من أمس والتي ذكّر فيها منصور "بواجباته"، ففضّل أن يتابع حملته ضد وزير في الحكومة اللبنانية من منبر الرابية، حيث "الكلام المباح لا يدرك الصباح" فيقول ما يشاء ولا يعرّض "زميله" الوزير منصور "للحرج".
سواء أكان اعتراض السفير السوري على سياسة لبنانية محض داخلية، جاء من "قصر بسترس" أو من "الرابية"، فالأمر سيان في الأعراف والأصول الديبلوماسية، وهذا غير مسموح به لا استناداً إلى القوانين الديبلوماسية، ولا إلى العلاقات العربية- العربية التي لا تجيز لأي دولة التدخل في شؤون دولة شقيقة، مهما كانت الأسباب.
غير أن الخبير في القانون الدولي الدكتور شفيق المصري شدد على أنه بموجب اتفاقية جنيف "يمكن للسفير أن يدلي ببيان عام حول سياسة بلده، لكن لا يحق له بأي شكل من الأشكال أن يتدخل في الشؤون الداخلية للدولة المضيفة، إن كان ذلك عبر إبداء اعتراض على سلوك معين للدولة أو على تقديم شكوى ضد هذا السلوك، إلا من خلال وزارة خارجية الدولة المضيفة".
أضاف "بالتالي، وتأكيداً لموقف رئيس الجمهورية، لا يحق للسفير أن يعترض على سياسة داخلية للدولة المضيفة، بشكل علني، وإذا كانت لديه شكوى، عليه التقدم بها إلى وزارة الخارجية".
لقد اثبت الرئيس سليمان مرة جديدة تقيّده بالأصول والأعراف وحماية الدستور والسيادة اللبنانية، وهو الذي اقسم على ذلك مرتين، الأولى عندما دخل إلى المدرسة الحربية ليتخرج منها ضابطاً في الجيش اللبناني، والمرة الثانية عندما أقسم يمين تسلّمه سلطاته الدستورية رئيساً للبلاد. وهو على الأرجح، أدلى بموقفه بعدما "ضاق صدره" من الانتهاكات المتكررة للسيادة اللبنانية وخرق الأصول والأعراف الديبلوماسية من قبل السفير السوري، فكان أن قال ما قاله نتيجة "قلوب مليانة" لم يعد بالإمكان السكوت بعدها.
لقد أعلن الرئيس سليمان مراراً وتكراراً رفضه التدخل الخارجي في الشأن الداخلي السوري، ووقوفه إلى جانب إرادة الشعب السوري الشقيق في اختيار المسار الذي يريده، غير أن هذا الموقف، لم يقابل من جانب النظام السوري، أو على الأقل من قبل سفيره في لبنان، بالمثل، إذ يبدو أن السياسة التي سادت إبان عهد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش "إما أنت معنا، أو أنت ضدنا"، أصبحت الشعار الذي يعتمده النظام السوري وسفيره في لبنان.
كما أن سليمان عبّر عن انزعاجه من البيان الذي أصدره سفراء روسيا، والصين، وسوريا وإيران عقب اجتماعهم في منزل سفير الجمهورية الإسلامية الإيرانية في لبنان غضنفر ركن أبادي، والذي جاء أيضاً مخالفاً لاتفاقية جنيف، إذ يقول الدكتور المصري "يمكن للسفراء مجتمعين أو منفردين أن يعبروا عن سياسة بلدانهم، شرط أن يعقب بيانهم تبليع إلى وزارة الخارجية في الدولة المضيفة"، وهذا أيضاً لم يحصل.
وفي هذه الحال، كان السفير السوري يكرّر انتهاكه للأعراف والأصول الديبلوماسية، وهذا، يضيف المصري، يعطي وزارة الخارجية "الحق في استدعاء السفير لأن تكرار مواقفه يعتبر مخالفة للقانون الديبلوماسي، ويمكن للوزارة عندها إبلاغه بأنه أصبح شخصاً غير مرغوب به "Persona Non Grata".
ربما كان هذا الأمر مستعصياً في الوقت الحالي، نظراً إلى ما تمر به سوريا من أحداث أليمة، وربما لأن حكومة "حزب الله" برئاسة نجيب ميقاتي، ومن خلفها وزير الخارجية عدنان منصور، لن تكون لديهما الجرأة على اعتماد هذا الأسلوب مع السفير علي، لكن ما هو ممكن على الأقل، استدعاء السفير السوري إلى وزارة الخارجية، لإبلاغه مذكرة احتجاج لبنانية رسمية على تصرفاته، وتنبيهه "بلهجة ديبلوماسية" على خطورة ما يقوم به.
لكن يبدو أن ما فات السفير علي هو أن لبنان تغيّر منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط 2005 وانطلاق ثورة الأرز لإنجاز الحرية والسيادة والاستقلال. لقد خرج جيش النظام السوري منذ سنوات سبع ولا يزال السفير السوري يعتقد أن بإمكانه إملاء ما يريده على لبنان والتحّكم بسياساته الداخلية والخارجية على السواء، ودخلت سوريا في أتون "حرب داخلية" نأمل أن تنتهي في أقرب وقت ممكن بما يحقق للشعب السوري الشقيق "حريته وسيادته" ويخفف من حقن الدماء البريئة التي تسيل.
لقد فات السفير علي أن ما كان "يحق" لنظامه إبان الوصاية على لبنان، لم يعد "يحق" له الآن.