لا يشعر سفير السلطة السورية بالغربة عندما يقف في بيت النائب ميشال عون ويطلق ما لديه من مواقف وآراء في اللبنانيين ومؤسساتهم ورموزهم، وكيف يجب أن يتصرفوا ليحافظوا على بلدهم "وضمان أمنه واستقراره"!
وليس في الواقع، ما هو أفضل من منصّة النائب عون لإطلاق تلك المواقف، باعتبار الغربة عن الزمان والدنيا والحاضر وأحواله، ليست شعوراً وحدانياً وشخصياً وتعبيراً عن عوارض طبيّة خاصة فقط، إنما أيضاً، سياق مسلكي ممنهج يعبّر عنه من يقف على تلك المنصّة بطلاقة تفوق تلك التي توفّرها منصّات أخرى رسمية كانت أو حزبية.
وأصل الكلام يطابق أصل المرام: السفير الأسدي اختار الرابية لأنه اختار أن يتطاول بالواسطة على رئيس الجمهورية، وأن يقول له إن تذكيره في مجلس الوزراء بأصول العمل الديبلوماسي وبآداب السلوك التي يُفترض ان يتبعها السفراء في أي دولة، صحيحة تماماً، لكنها لا تعنيه ولا تنطبق عليه! فهو ليس مجرّد "سفير" عادي، بل في الحقيقة كما يراها مع مضيفه، مندوب غير عادي لسلطة غير عادية، ووكيل مهمة لا تشبه في شيء المهام الديبلوماسية المعروفة في العالم.. وانه عندما يذهب إلى وزارة الخارجية في "احوالها" الراهنة، ثم إلى الرابية أو إلى غيرها من منصّات "الخط" فإنما يذهب إلى صنّاع رئيسه وعمّاله وامتداداته ومذيعي مواقفه ومنفّذي سياساته وأوامره، ومسوّقي آرائه، وملبّي طلباته، ليس إلاّ!
الخطأ في المتن وليس في الفرع. وفي المضمون وليس في الشكل. وعبثاً يحاول حارس الجمهورية اللبنانية وكبير أهلها والأمين على دستورها وسيادتها وكرامتها، استنهاض الهمم ونكء مواضع الكرامات واستدرار النخوات وإحياء النوازع الوطنية العامة وتمويت أضدادها العصبوية الخاصة والتالفة، طالما انه في الآني وأهل الوصاية في الماضي. هو "حاضر" وهم غائبون وهو واقعي وهم واهمون. وهو "يرى" ما استجد وسيستجد وهم غاشون ولا أمل في إيقاظهم ولا في إبصارهم!
يقرأ المندوب الأسدي في كتاب سلطته، وذلك يحتوي مطوّلات في فن الابتزاز الوصائي الذي مُورس في حقّ لبنان وأهله منذ أن ابتلاهم الله بنكبة احترابهم وشلّع دولتهم وهدّ مؤسساتهم ودمّر أسوِجة وطنهم. ووضعته الأقدار تحت خانة الحاجة إلى وصاية تلك السلطة، فأخذت هذه في ممارساتها تكمل ما فعلته الحروب، وتستثمر في بلاء اللبنانيين حتى فاض جناها، وبطرت وأجرمت وعربدت وامتهنت حتى الثمالة!
لكن (وآه من قصّة العدل ودولاب الدنيا الدوّار)، يغيب عن الأسد ومندوبه، ان ذلك الكتاب احترق بنار الثورة السورية، وقبلها كان تمزّق بأيدي السياديين والاستقلاليين اللبنانيين، وما بقي منه سوى نسخ يعتمدها قرّاء الوهم ويحصدون قراءاتهم أفولاً حتمياً لا تغيّر فيه رعونة السياسة والتطاول في لبنان ومحاولة تفجيره من جديد، ولا الآلة الإجرامية الفالتة بكل زخمها في سوريا وضد أهلها.
..يعطي السفير الأسدي درساً عن "الحسابات غير المسؤولة" وعن "كيفية ضمان الأمن والاستقرار"!، ويمكنه ذلك، طالما انه في الرابية وليس في حلب أو حمص أو دمشق نفسها! وطالما ان غربته تامة: زمانية وفكرية، وتؤاخي غربة ساكن الرابية تماماً.