#adsense

عون وأعوانه وأزمات السير

حجم الخط

الطريق الدولي بين طبرجا ونهر بيروت يمرّ عبر قضاءين انتخابيين اغلبية نوابهما من "تكتل الاصلاح والتغيير" التابع لميشال عون. هذا الطريق الدولي يمكن وصفه بأنه ابطأ طريق سريع في العالم بسبب الازدحام القاتل الذي يعانيه. منذ ثماني سنوات يتربع نواب عون على عرش قضاءي هذا الطريق. ومنذ انقلاب القمصان السود، الحكومة هي حكومة عون وشركائه، والاغلبية في البرلمان اغلبيتهم.

اختصاراً الدولة هي اليوم دولتهم. وعلى رغم ذلك يبدو عون ونوابه غير قادرين على اقفال باب جحيم "عجقة السير" في المتن وكسروان. هذه "العجقة"، لم يتذرَّع عون بأن دولاً كبرى وراءها. وحتى كتابة هذه السطور، لم يتهم أحداً من القوات اللبنانية بأنه ثَقَبَ قصداً إطارات سيارته قبالة "LA CITE" لـ"يضرب" السير في نهر ابراهيم.

ثماني سنوات، والمشكلة تتفاقم. والنواب العونيون الذين يملكون حلولاً لكل معضلة، يحبون ان يشغلوا انفسهم بمعضلات أهم. ها هم منكبّون على طبع كتاب يفضح المخالفات المالية وفساد الطبقة الحاكمة. يا أخي اعمَل شيئاً غير الطباعة. طباعة بيانات، طباعة كتب، طباعة اوراق تفاهم. او على الاقل اطبع لي ورقة تعدني فيها انك تحتاج الى ثماني سنوات جديدة لتحل ازمة السير أمام "فرن السلطان".

يا اخي، تدّعي أن غيرك سرق البلد، لكنّ هذا الغير، بنى جسراً، وحفر نفقاً، وفتح طريقاً، وأوصل الهاتف الارضي الى أقاصي الهرمل. انت ماذا فعلت؟ انت جعلتنا نضرب هاتفنا الخلوي بالارض. وربَّحتَنا جميلاً ورقة تفاهم، من مفاعيلها: تفاهم على قطع طريق المطار، اذا تعذَّرَ قطع طريق جل الديب.

ثم اذا كان عون يملك حكومة، وبرلماناً، ومالاً نظيفاً يبني سدوداً في جرود تنورين، فلماذا لا يحل مشكلة السير أمام الـ ABC ضبيه؟ سيدخل التاريخ مَنْ يَحِلُّ هذه المصيبة. وقد يُنقش اسمه على صخور نهر الكلب. وعون، منذ الصغر يحب النقش في الحجر. هل العناد يمنعه او العجز، او الاثنان معا؟

عادةً نسمع عن "تخطيط" لطريق هنا وجسر هناك، فنتعزّى اذ يوجد تخطيط، ونعيش على امل تنفيذ التخطيط. في مسألة الاوتوستراد بين طبرجا ونهر بيروت، حتى هذه الحبة المخدِّرة لم يَمُنَّ بها عون ونوابه علينا.

مَنْ مِنَ اللبنانيين يعرف على ماذا رسا الحل الافتراضي لهذه الازمة الواقعية؟ اوتوستراد فوق الاوتوستراد؟ اوتوستراد فوق البحر؟ نفق في قلب الجبل؟ طريق ثان كان يدعى 2A، ويمر على العالي؟ ربّك عليم. كل ما نعرفه "مشروع توسعة طريق" من نهر الكلب الى أدما. وعندما تقول "مشروع" فهذا يعني أن اشياء بسيطة لا تزال ناقصة، كمثل التمويل، والاستملاكات، وموافقة اصحاب الافران والسوبر ماركات.

ويكفي ان يُعاند صاحب كشك لبيع السجائر، حتى يبقى نصف لبنان مُعرَّضاً لأمراض الضغط والسكري والتوتر العصبي. مئات الوف السيارات المتجهة الى جبيل والبترون والكورة وبشري وزغرتا والضنية وطرابلس وعكار، أملهم الوحيد "مشروع توسعة طريق"، في حين أن المطلوب اوتوستراد جديد.

عون الذي يملك حلولاً لكل ازمات لبنان السياسية والاقتصادية والاخلاقية، يقف عاجزاً أمام بضعة كيلومترات. على رغم تمتعه بالسلطة التشريعية والتنفيذية في دولته، وعلى رغم موهبته المعروفه في الصِياح، يبدو اننا لن نعرف قريباً ما هي الخطة او التخطيط. لم نعد نطمح الى ترف حل المشكلة، فقط خدِّرونا بحبر على ورق.

الانتخابات آتية، فرجاء اضحكوا علينا وضمنّوها الورق البرتقالي. وحتى لا نبخس عون ونوابه حقهم، لا نستطيع القول إنهم لم يتحركوا، ولم يعقدوا اجتماعات، ولم يطالبوا، كل ذلك قاموا به. واذا فتشت عن سابقة للحركات العونية، فلن تقع على افضل من التحرك من اجل جسر جل الديب. تحركهم جاء، كما لو تحرك دبّ في غرفة خزف.

ولأن الداء "عجقة السير"، صرخ العونيون "داوني بالتي كانت هي الداء". قطعوا اوتوستراد جل الديب مرة ومرتين وثلاثاً. عطّلوا مصالح الناس، وحرقوا أعصابهم، وخنقوا السير من جسر بيروت الى جسر المعاملتين. هكذا يبني عون الجسور بين اللبنانيين. وقصة عون واعوانه مع الطرق والاوتوسترادات، فيها شيء من عقدة الارتياب، بارانويا.

اجمالاً، تحت اسفلت الطريق أحجار، وأتربة، وكابلات الهاتف، وقساطل المياه، ولكن أعوان عون مصابون برُهاب المقابر الجماعية. قلوبهم الضعيفة لم تكن تحتمل المرور يومياً فوق طريق حالات، وتحت الطريق جماجم وعِظام.

حَفَرَتْ الحفّارات، وفَلَحَتْ الطريق طولاً وعرضاً، فتبين انّ الضحايا المزعومين، الذين لا آباء لهم ولا امّهات، تبخروا، او صعدوا الى السماء بالروح… وباللحم والعظم. هذا اللغز المستحكم بين العونيين والطريق يبدو عصياً حتى على المحقق شرلوك هولمز.

يمر ميشال عون على طريق صيدا، فينجو من محاولة اغتيال برصاصة اطلقت على طريق باب التبانة! سمير جعجع يُراد له ان يُغتال في حديقة منزله، وبطرس حرب يكمنون له في مصعد مكتبه. كُتبت النجاة للاثنين، ربما لأنّ كل شهداء 14 آذار لا يموتون إلا على الطريق. وحده عون نجا.

والحمد لله ان الطريق كانت "مسرحية الجريمة"، وليست مسرحها الحقيقي. وحيث عجز شرلوك هولمز اعترى اليأس سيغموند فرويد. لا الطبّ النفسي ولا الطبّ العربي، يمكنهما ان يُفكّكا هذه العقدة بين العونيين والطريق.

من بين كل الالوان اختار العونيون، وبصدق، اللون البرتقالي شعاراً لهم. على الطرق شارات سير كهربائية، وهذه الشارات بألوان ثلاثة. الاحمر للتوقف. والاخضر للتقدم. ولون قريب من البرتقالي يدعو الى الحيرة. لا هو لون التوقف ولا لون التقدم. مكانك راوح. وهكذا هي حال العونيين، يريدون لنا وطناً مُعلّقاً. لا يدفعونه الى الامام ولا يزيحون من امام الدافعين.

أصلاً العونية شركة مقاولات لبناء وطن، وليس من اختصاصها "عجقات السير". احياناً تتواضع العونية وتفرش "الزفت" قبل الانتخابات. الحمد لله ان وزير الاشغال والطرق من عائلة العريضي، فتعرض بعض الطرق الضيقة. وما اضيق الطريق لولا فسحة العريضي.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل