قفي، وانت تعبرين آخر عتبات الزمان، لا بد أن تسمعي في رحيلك ما يليق. انتِ من حملتِ 2012 ارثاً من كل شي، من كل مزيج، وان كانت الكفّة غير متوازنة تميل الى ارث سميك من النحس والكوارث. ترحلين؟ ومن يحزن؟ سنقوم بالواجب بالتأكيد، ستقام مراسم "الدفن" على أكمل وجه، سنهيئ افضل الترتيبات وأكثرها أناقة وشياكة، سنضفي على الاحتفالية الوداعية كل الاكسسوارات المناسبة التي تليق بالمقام، لن نترك قرنفلة في مشتل أو حديقة تعتب على اكليل لنشقعها على باب مثواك الاخير، محكمة التاريخ، سنوزع النعوات تحت الثلج والبرد لا يهم، سنلصقها على حيطان أجسادنا كي تبقى دمغة الرحيل علامة للازمان الاتية، سندعو الاخوية، كل اخويات الحبل بلا دنس وفرسان العذراء "والنوبة" وزغلول الدامور ومجوّدي المدينة، وننشد باعلى مقامات الصوت الترتيلة اياها "نفحات العطر العذب عن ارواح موتانا"… مع انك ستبقين حيّة، حيّة فينا لزمن طويل بعد!
للتاريخ والحقيقة المنصفة، كنتِ علامة فارقة في ترتيب الاعوام الافلة، والاغرب ان وفي مكان ما، أجدك الافضل بين الاربع اللواتي سبقنك في القهر والعهر والنكد والانتحار! نبدأ مما اراه فيك من حسنات، علك لن تتمكني لاحقا من سماع الموبقات العالقة على جسدك "اللبيس" بالعار.
كنت عام سقوط الاقنعة بامتياز كي لا أقول انهيارها بالكامل! في زمنك المدجج بالغدر، سقطت حكومة لا تجيد الا السرقة والنهب والتزوير والقتل ودعم المجرمين والعملاء والديكتاتوريين، سقطت من عيون الناس واحترامهم وان كانت ما زالت تحكم، سقطت بشفافية مطلقة وبوضوح تام من دون مكياج ولا بوتوكس ولا ليفتينغ ولا حتى التمكّن من ستر العورات، بعدما تناثرت عنها كل اوراق التين… وهذا أمر رائع!
في زمنكِ الذي لم يعرف شيئا من منظومة الجمال والصفاء، تصدّعت أكثر من صورة، وتحطّمت مرآة خالة ثليجة البيضاء، بعدما واجهتها بالحقيقة المرّة بأن ابنة زوجها تفوقها جمالا، وتحوّلت الخالة من الغضب الى وجهها الحقيقي، ساحرة شريرة تدسّ السم في كل ما هو جميل ونقي وصافي، هكذا هم "زعماء" 8 آذار، هكذا أظهرتهم الـ 2012 بقصد او من دون قصد، وجوها بملامح السحرة يعيشون غضب الايام ومرارة الافول، فيطعموننا السمّ لان حقيقة لبنان هي الجمال المطلق وهم… هم العكس تماما، أيضا أمر رائع.
اكبر الفضائل في زمنك الراحل، تلك الحقيقة المنهمرة من شوارع سوريا، حقيقة نظام آيل في اي لحظة للسقوط الكبير، وما عاد قادرا على اخفاء وجهه الحقيقي وكؤوس الدماء التي يدمنها، وحقيقة شعب صار يدمن الحرية ولا يبالي لتعداد شهدائه الى حين اعلان الحياة… آمر اكثر من رائع.
وانت تقفين الى آخر عتبات الزمان، سيُكتب في سجلك انك مذنبة لانك غدرت بالانسانية، وجعلت شوارع الحكّام ملحمة لاستباحة أجساد الاطفال والنساء، مذنبة لانك لوّثت زمن لبنان بدم الابرياء، ومذنبة لانك وحتى وانت تلفظين آخر الدقّات، تحجمين عن سماع أصوات عذبة صادقة، اقتحمت كل النشاز فيك لانقاذك من نفسك والعودة بك الى بر الانسانية والوطنية، ولكنك صفعت وبقوة الايادي البيضاء التي امتدت لانتشال لبنان من براثن من صنعوا زمانك، وارتميت بسهولة بنات السوء معهم، بأحضان الجحيم. اذن يليق بك وبهم هذا الجحيم، فاذهبي اليه، واتركي لنا مهمة القيام بمراسم الدفن التي نستمتع ونحن نحضّرها، ونمزمزها على مهل وكأنها كأس الحياة، مراسم، نعدك ستكون عرسا وسنرقص على نغمة افولك حتى الانهيار، وان كنا بسببك ما زلنا حتى الآن، نرقص… على الزجاج…
