كتبت كلوديت سركيس في صحيفة "النهار":
الضجة التي أحدثها قرار محكمة التمييز العسكرية برئاسة القاضية اليس شبطيني تخلية احد الموقوفين بتهمة الاتصال بالعدو الاسرائيلي، حملت السؤال الى الضفة الاخرى في هذه الملفات التي يتولاها المحامون، وهي الدفاع عن المتهمين بهذه الجرائم والذين فاقوا المئة عدداً.
هي مهمة صعبة في المناخ العام السائد .ففي بدايات هذه المحاكمات قوبل التوكل عن هؤلاء بالرفض، مما حدا بالمحكمة العسكرية الدائمة الى الطلب من نقابة المحامين في بيروت تعيين محامي دفاع عنهم للتمكن من السير بالمحاكمات وفقاً لمقتضيات القانون، عبر المعونة القضائية. ثم تبدلت الحالة بعض الشيء لنرى محامين كباراً يقفون في قاعة المحكمة دفاعا في هذه الملفات.
"النهار" سألت المحامي انطوان نعمة، وهو وكيل الموقوف محمود رافع الذي دانته المحكمة العسكرية بتهمة التعامل مع العدو الاسرائيلي وقضت بإنزال عقوبة الاعدام في حقه،عن مهمة المحامي في هذا النوع من الملفات.
كيف يمكن محامياً ان يتوكل عن موقوف متهم بالتعامل؟
– ان ماهية الجريمة ليست المعيار الذي يبنى عليه قبول وكالات من الموكلين، لان غاية رسالة المحاماة هي تأمين حقوق الدفاع وضمانات المحاماة العادلة التي يكفلها الدستور. من هنا ينشأ اقتناع المحامي بالملف وتبنى ارادته بالقبول او الرفض، علما انه لا يليق بالمحامي المحترف ان يرفض ملفاً لمجرد تناقضه مع اقتناعات ذاتية وشخصية، ويمكن وصفها ايضاً بالفئوية. وهذا الامر نراه في مجتمعات الشرقين الادنى والاوسط وما يسمى بلغة الجيوبوليتيك العالم الثالث، لانها كقضية غير مطروحة في المخيمات المتقدمة التي بلغت بها المهنة اوجها.وهي لا بد من ان تفهم لدينا من المنظور الجزائي الضيق ،مع الاشارة الى انه يمكن ان ترد الوكالة في مجالات اخرى ولا تكون موضع ترحيب من المحامي.
لكن الجرم هنا كبير وخطير ويتعلق بالتعامل مع العدو الاسرائيلي؟
– ان خصوصية ماهية جريمة التعامل مع العدو الاسرائيلي مسألة غير خلافية في وطن المسائل الخلافية بامتياز، لان المحامي تعهد في قسمه حفظ الامن القومي. ومن هذه النقطة يمكن ان تُفهم معاناة المحامي اللبناني عندما يتولى الدفاع في ملف تهم بالخيانة والجاسوسية لان معاناته الشخصية ستكون بين التزام حرفية القسم والقيام بأداء الواجب الملقى على عاتقه، وهو واجب مقدس بدون ادنى شك، ويلتصق بصورة مباشرة وجذرية بمفهوم نشوء الاجتماع الانساني في كل زمان ومكان، منذ بدء الخليقة .فالمحاماة اعرق المهن واكثرها تجسيداً للانسانية، واستطراداً، سيتبادر الى ذهن المحامي انه لتحقيق العدل لا يمكن ان يستوي الحق والباطل على صعيد واحد. ولكن، تفصيلاً لما ذكرته، هل من العدالة استصدار احكام تنافي نص القانون وروحه؟ وهل بطُل العقاب في جرائم الخيانة والجاسوسية كوسيلة اصلاح وتقويم ليكتفي بطابعه الجذري؟ ثنائية الجريمة والعقاب هي في غائية اصلاح المجتمع والعمل على بنيانه وازدهاره وليس على تدميره وتحطيمه، لكي يكون للمؤمنين في القصاص حياة، والا وقعنا في المحظور، أي اننا دفعاً للشر نذهب الى وقوع ما يماثله من حيث لا ندري، لأن الغلو في الاحكام والتجريم ينافي روح العدالة ومضمونها وغايتها.
لكن المرتكب يعتبر خائنا في نظر المجتمع والناس ويستأهل الرجم؟
ان فظاعة الجريمة لا تفقد مرتكبها اعتباره الانساني. فالمجرم لا يزال انساناً. وفي مفهوم علم النفس العقابي، هو منحرف لا بد من إصلاحه، ولم يتدنّ به الدرك الى ارتكاب الجريمة الا بسبب عوامل عدة غير منظورة للوهلة الاولى. اما في القانون الوضعي، فإن الاسناد الجرمي لا يكفي للادانة ما لم يصدر الفعل عن وعي وارادة بالاستناد الى ما كرّسه قانون العقوبات في مادته 210. اذاً، الاجرام والمجرم على اختلاف الماهية وتحديداً في جريمة الخيانة والجاسوسية يخضعان للاصول المبنية والبنيوية في قانون العقوبات وعلم النفس العقابي. ولا يمكن التعامل مع الامر بطريقة مغايرة لمجرد اقتناعات واهواء لدى البعض تذهب به الى اعلاء الصوت لتشديد العقاب، بصرف النظر عن حرف النص وروحه والسائد في تشريعات الدول المتقدمة، وهي المصدر الاساسي العملي للتشريع العقابي اللبناني. قد يكون في السجون الكثير من المظلومين في كل الجرائم وبينها جريمة الخيانة، وينبغي الا يتملكنا الهلع او الغضب او ما بينهما عندما نواجه هذه الظاهرة الاجرامية في مجتمعنا. فلا ننسى ان المحامي الذي يتولى الدفاع عن المتهم هو في أقل تقدير المحفّز الاول للسير بالمحاكمة واصدار الحكم فيها، وإلا تعثر الامر وبطل قانوناً. فعوض ان يُنظر اليه كعنصر محقق على نحو عملي وفعلي للعدالة، ينظر اليه البعض كأنه ظاهرة غريبة عن هذا المجتمع، ومستوجب للعقاب نفسه الذي سيقع على موكله في نهاية محاكمته لمجرد ان هذا المحامي التزم قسمه وقام بواجبه، ولا تفوتنا قدسية هذا القسم ورفعة هذا الواجب.
ثمة محامون من كل الطوائف رفضوا التوكل عن متهمين في التعامل، ومحامون آخرون قبلوا بالتوكل وهم من كل الطوائف ايضا.لم التناقض؟
– من المؤسف أن إعداد المحامين اليوم لا يأخذ في الحسبان تعزيز خاصية الذاتية في الاداء على النحو الذي يحقق الذات وينتزع اعجاب الآخرين. فلا ننسى ان الرأي قبل شجاعة الشجعان، ولا بد للمرء عندما يمارس هذه المهنة من ان يضع هذه الامور مجتمعة نصب عينيه اذا كان مراده من مهنته ما يتجاوز كسب لقمة العيش فقط. ولنا المثال في المحامين الكبار امثال جاك فرجيس الذي تولى الدفاع عن جميلة بو حريد في مواجهة القضاء الفرنسي على ارض الجزائر يوم كانت تحت ثقل القفزة الفرنسية الاستعمارية. فما الذي يفعله هذا الفرنسي الوطني في مواجهة امته ووطنه ايام رئاسة شارل ديغول الجنرال الوحيد والعسكري المتميز الذي كرس مبدأ حرية تحديد المصير في خطابه الشهير. ولا ننسى ان التشبه بالكرام واجب ان لم نكن مثلهم لان فيه الفلاح.
ماذا عن ظاهرة التجسس وحبل الموقوفين الذي كر في لبنان؟
– ثمة اسباب عدة .ومن الاسباب الداخلية تدهور الوضعين الامني والاقتصادي. ونشر في "النهار" امس بيان للجيش يحذر المواطنين من ان اجهزة امنية اجنبية تحاول استقطاب عملاء من افراد الشعب اللبناني من ذوي الدخل المحدود. ومثل هذه الحالات معروضة ومشاهدة امام المحاكم المختصة في لبنان، وهي تتفاقم في حالاتها غيرالمفهومة في المناطق الحدودية لنزاعات داخلية سياسية بين افراد الانتماء الواحد، لان مثل هذه النزاعات كانت في بعض الملفات في جنوح اشخاص اتسموا بالصفة النضالية البطولية ضد العدو الاسرائيلي، ثم ما لبثوا ان وجدوا في أحضانه بسحر ساحر.