#adsense

“النهار”: تغيّرت قواعد الاشتباك في 2012…عاد الاغتيال يلاحق قادة 14 آذار

حجم الخط

كتب ايلي الحاج في صحيفة "النهار":

دخلت قوى 14 آذار السنة 2012 على الساعة السورية وتخرج منها على الساعة السورية أيضاً. لم تفعل عملياً سوى تلقي الضربات والسعي إلى صون وحدتها ولبنان من خلال منع انفجاره طائفياً ومذهبياً لمصلحة خصومها، وانتظار خبر سعيد: سقوط نظام الرئيس بشار الأسد.

كان الرئيس سعد الحريري استثناء في أدائه. حجز الرجل مقعده على منصة احتفالات النصر السوري المرتقب من خلال وقوفه علناً ونهائياً، قلباً وقالباً بجانب ثوار البلد المجاور، خلافاً لحلفائه الذين تفاوتت مواقفهم بين الإكتفاء بالدعم الكلامي والدعوة إلى تحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية، بمعنى عدم التدخل في شؤون غيره لئلا يعطي هذا الغير عذراً لتدخله. كان في إمكان التحالف السيادي على ما يقول أحد أعضائه البارزين سمير فرنجية أن يشاركوا في تحريك الرأي العام العالمي لمساندة السوريين المنتفضين على نظام ذاق اللبنانيون على يده تباعاً، بطوائفهم وأحزابهم أهوالاً لا توصف. وكان في إمكان التحالف أيضاً أن ينظم حملات إغاثة ضخمة للسوريين يساهم فيها المجتمع اللبناني بكل فئاته . لكن ترجمة موقفه اقتصرت على لقاءين تضامنيين في سن الفيل والبريستول، وكلام سياسي – إعلامي.

إلا أن للحذر عند الداعين إليه أسباباً ستظهر لاحقاً في رسائل دموية ومدوية.

الإطلالة الأولى لقوى 14 آذار كانت في 14 شباط، في مؤتمر "البيال" الذي تميز بتلاوة رسالة من "المجلس الوطني السوري" وكلمة منقولة عبر شاشة ضخمة للرئيس سعد الحريري فحواها" أيها اللبنانيون لا تخشوا شيئاً مهما احتدمت الأوضاع فأنا أضمن العيش المشترك". الرسالة السورية وكلمة الحريري قوبلتا بحملة إعلامية وسياسية قاسية من قوى 14 آذار ركزت على الجانب الشخصي، لا سيما المالي فضلاً عن الموقع السياسي الأضعف الذي يقف فيه رئيس الحكومة السابق وتياره "المستقبل"، وعلى صفة "المغامرة" في الموقف من الأحداث السورية.

بعد مؤتمر "البيال" جمع البطريرك الماروني بشارة الراعي القادة الموارنة في بكركي وخرجوا باتفاق على اعتماد فكرة "اللقاء الأرثوذكسي" القائمة على انتخاب أبناء كل مذهب نوابهم. الخبر سقط كحجر على مياه بركة راكدة، لكن رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع سارع إلى لملمة ردود فعل حلفائه المسلمين الذين لم يخف بعضهم تذمره. ولم يتمكن أركان الحوار في بكركي من تسويق الفكرة الأرثوذكسية لدى حلفائهم في الجانبين فانتقل الـ14 آذاريون منهم إلى اعتماد فكرة "الدوائر الخمسين" فوافق عليها حلفاؤهم، في حين وافق فريق "تكتل التغيير والإصلاح" على مشروع قانون الحكومة القائم على النسبية و13 دائرة وعاد لاحقاً إلى اقتراح "الأرثوذكسي" في اقتراح قانون من غير أن يحظى بتأييد من حلفائه الذين لزموا الصمت. رست المعادلة على أكثر من قانون لا يحظى أي منها بالغالبية في مجلس النواب.
وفي آخر شباط كان الحدث "قواتياً" في الذكرى الـ16 لحل الحزب في "البيال" أيضا، حيث ألقى جعجع خطاباً أطل به على العالم العربي وثوراته ومشكلاته وتضمن شهادات لشخصيات من بلدان عربية عدة. كل أبواب العرب ستفتح لجعجع من عواصم دول الخليج وصولاً إلى غزة.

في ذكرى 14 آذار عاد التحالف إلى "البيال" بعدما كان سمير فرنجية أعد وثيقة جديدة حملت تسمية "السلام في لبنان"، كانت الغاية منها أن تخرج التحالف من محليته والحسابات الصغيرة لكنها خضعت لتعديلات جمة أفقدتها جزءاً كبيراً من أهميتها، ومختصرها أن شعب لبنان هو الذي أطلق الربيع العربي ويبقى طليعة التغيير في المنطقة. وتميز الإحتفال بإطلالة شبابية وجهت إنتقادات مباشرة إلى أداء قوى 14 آذار في حضور قادتها، وسُجل عدم امتلاء المقاعد في القاعة.

وتعرض جعجع لمحاولة اغتيال في 4 نيسان بإطلاق ثلاث رصاصات ثقيلة عليه من بنادق قنص متطورة بينما كان في حديقة منزله في معراب. أدرك جميع المعنيين على الأثر أن قواعد الإشتباك تغيرت، وسقط مبدأ أساسي كان قد اتفق عليه في الدوحة هو التوقف عن أعمال الإغتيال، ودخل لبنان بالتالي مرحلة توتر أمني طبعت ما تبقى من أيام السنة. في آخر نيسان انعقد لقاء واسع في معراب تضامنا مع جعجع شارك فيه نحو 150 شخصية، وتميز بمداخلة للمناضل والكاتب الراحل نصير الأسعد انتقد فيها بقوة أداء القيمين على 14 آذار . اختصر الكلمات الكثيرة سؤال من نوع: هناك تغيير كبير يحدث في المنطقة فماذا أنتم فاعلون؟ وانتقد بعض الحضور ردود الفعل الخجولة على محاولة الإغتيال، كان يجب في رأيهم الإحتجاج بصخب وقطع الطرق والتظاهر.

كان جواب جعجع إن "العالم لا يتطلع إلينا في هذه الحقبة. العرب يقتصر اهتمامهم على الشأن السوري، وليس في بال أي دولة رحيل حكومة نجيب ميقاتي أو استمرارها . نحن مضطرون في هذه المرحلة إلى استيعاب ما يجري والإنتظار حتى تنقشع الآفاق ولا يمكننا القيام بمبادرات سياسية كبيرة".

مر نيسان أيار وحزيران على وقع سجالات استأثر بقسم واسع منها موضوع داتا الإتصالات الهاتفية وضرورة تسليمها إلى المحققين في جريمة محاولة اغتيال جعجع وجرائم أخرى. تخلل تلك الحقبة في في 20 أيار مقتل الشيخ أحمد عبد الواحد عند حاجز للجيش في الكويخات بعكار، مما أثار المشاعر واضطر قيادات 14 آذار إلى التحرك ومواكبة الوضع لحظة بلحظة وزار وفد منها ضم ممثلين لحزب "القوات" بلدة البيرة بعدما جرت اتصالات بجعجع أدت إلى إحباط مشروع فتنة طائفية في عكار، إذ أراد فريق في القبيات قطع المياه عن بلدات إسلامية مجاورة رداً على إقامة حواجز منعت مرور عسكريين. أبلغ جعحع فاعليات في القبيات أن أي تحرك من هذا النوع يعني صداماً مع "القوات" فطوي الموضوع. ونجحت مساعٍ اضطلعت بها قيادات المنطقة ولاقتها الأمانة العامة لقوى 14 آذار في تجاوز الفتنة، على قاعدة أن الشيخ عبد الواحد ورفيقه شهيدا الوطن وليس الطائفة.

إلا أن الباب فتح من وجهة نظر التحالف على مزايدات تجلت في اعتصامات قرب ثكنة صربا وفي الأشرفية والحازمية وأمكنة أخرى، ولافتات وشعارات باسم "أصدقاء الجيش" استنكرت توقيف عدد من الضباط والعسكريين للتحقيق في ما جرى عند حاجز الكويخات.

في 4 تموز نجا النائب بطرس حرب من محاولة إغتيال في مصعد مكتبه في بدارو فتكررت ردود الفعل المستنكرة والغاضبة والسجال حول الداتا وتضامنت 14 آذار مع حرب باجتماع نيابي انعقد في منزله. ورفض "حزب الله" تسليم أحد كوادره محمود الحايك إلى التحقيق لسؤاله عن سبب وجوده في المكان الذي جرت فيه المحاولة. تأكد عند ذلك أن قواعد الإشتباك في لبنان قد تغيرت.
وجاء 14 آذار مدَد معنوي كبير من حيث لا تتوقع، ففي 9 آب أوقف فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي الوزير السابق ميشال سماحة الذي أقر على الفور بصحة تسجيلات بالصوت والصورة تثبت نقله متفجرات إلى لبنان زوده إياها اللواء السوري علي المملوك. هذا الإنجاز الذي يُحسب لرئيس فرع المعلومات اللواء وسام الحسن كلّفه على الأرجح حياته لاحقاً. وسيدرك المعنيون السياسيون أيضاً أن دعم الثورة السورية يعني دخول حقبة أمنية فوراً.

مطالع تشرين الأول طغت في أوساط قوى 14 آذار المناقشات حول ذهاب حزب الكتائب اللبنانية بعيداً في تمايزهم عن الحلفاء في مواقفه السياسية، وخرج الموضوع إلى العلن إثر مداخلة لمنسق الأمانة العامة فارس سعيد خلال حلقة تلفزيونية تستضيف النائب سامي الجميّل. جرت اتصالات متعددة الإتجاه والمصدر بعد ذلك ولقاءات ، وزار سعَيد بكفيا حيث التقى الرئيس أمين الجميّل والنائب الجميّل واتُفق على عودة الكتائب إلى المشاركة في الأمانة العامة. لكن المواقف السياسية والتوجهات ظلت ناتئة بين حزب الكتائب وبقية الأحزاب والشخصيات التي يتشكل منها التحالف ، خصوصا في ما يتعلق بالمواقف من رئاسة الجمهورية والدعوة إلى المشاركة في الحوار الوطني وفي مواضيع تشكيلة الحكومة والتعامل مع رئيس مجلس النواب والبطريرك الماروني والمؤسسة العسكرية ومقاربة الأحداث في سوريا والمنطقة وسوى ذلك.

في 19 تشرين الأول اغتيل اللواء وسام الحسن بسيارة مفخخة في الأشرفية أوقعت إلى جانبه قتيلين وعدداً كبيراً من الجرحى ودماراً كبيراً. على الأثر اجتمعت قيادات قوى 14 آذار في "بيت الوسط" وقررت مقاطعة أي جلسة نيابية تشارك فيها الحكومة ودعت إلى استقالتها وتشكيل حكومة حيادية وأقامت اعتصاماً شبابيا في مخيم رمزي قرب السرايا وآخر قرب منزل الرئيس
نجيب ميقاتي في طرابلس. أزعجت المقاطعة فريق 8 آذار الذي كان السبّاق إليها في ظل حكومة الرئيس فؤاد السنيورة لكنها لم تحمل ميقاتي على الإستقالة.

خارجياً سارعت قوى 14 آذار إلى زيارة غزة من خلال وفد مصغر ولافت ضم ممثلاً لحزب "القوات اللبنانية" هو النائب أنطوان زهرا بعدما فكت "حماس" ارتباطها بإيران، وكانت استهلت السنة بزيارة وفد كبير إلى عرسال عبر عن التفاعل مع الوضع السوري ومعاناة اللبنانيين على الحدود.

إلا أن البلاد دخلت نفقاً بات الخروج منه شديد الصعوبة . فعلى رغم عودة اللجنة المصغرة لدرس اقتراحات قوانين الإنتخاب إلى الإنعقاد في الأسبوع الأول من السنة الجديدة، لا تبدو عودة الحياة السياسية إلى طبيعتها احتمالاً قريباً، فيما الوضع الإقتصادي والمعيشي يضغط على الجميع ويفاقمه منع الرعايا العرب من زيارة لبنان بفعل التهديدات التي وجهت إليهم إثر خطف حجاج شيعة لبنانيين في سوريا.

وفي نهاية السنة تقف 14 آذار أمام استحقاقين – تحديين كبيرين:

– إجراء الإنتخابات النيابية في موعدها والفوز فيها بغالبية من دون نواب الزعيم والنائب وليد جنبلاط، على ما قال رئيس "حركة الإستقلال" ميشال معوض في إحياء ذكرى والده الرئيس الشهيد في 30 تشرين الثاني الماضي، مع ما يستتبع ذلك من جمع كلمة أطراف التحالف وصوغ تركيبات ومعادلات صعبة في داخله.

– حماية السلم الأهلي على رغم خطورة ما يتوقع أن تشهده سوريا ومعها لبنان في السنة 2013 وفي انتظار أن يستقر عقربا الساعة السورية على موعد لطالما انتظرته 14 آذار من دمشق وراهنت على وقعه في بيروت.

المصدر:
النهار

خبر عاجل