كتب المحرر الأمني في صحيفة "المستقبل":
يطوي هذا العام أيامه وساعاته الأخيرة على كثير من الملفات الأمنية والقضائية الخطيرة، التي باتت جعبة "حزب الله" مثقلة بالكثير منها، بعدما منح كوادره ومحازبيه الحكم الشرعي إن لم يكن "التكليف الشرعي" لتغطية جريمة قتل أو إغتيال أو عمليات خطف وترهيب، قبل أن يرفّعهم الى مرتبة القديسين ويجعلهم فوق القانون وأسمى من المحاسبة والملاحقة وحتى المساءلة.
المؤسف أن شريعة "حزب الله" حلّت مكان القانون وربما تقدّمت على الدستور، في هذا الزمن الرديء الذي أحكمت فيه ميليشيا مدججة بالسلاح، قبضتها على البلاد بسلطاتها السياسية والقضائية وأغلب أجهزتها الأمنية التي لم تعد ترفع قشّة من مكانها الا بأمر هذه الميليشيا، وفق ما تقتضيه مصالحها حتى باتت الدولة بكل مؤسساتها دولة الولي الفقيه الذي لا يردّ طلبه ولا تُخالف إرادته.
مناسبة هذا الكلام، أن ما يسود في لبنان حالياً هو شريعة غاب يأكل فيها القوي الضعيف، ولأن "حزب الله" حوّل البلد الى غابة ومحمية لمشروعه الذي تتخطى أهدافه حدود الوطن، لا يختلف إثنان هنا على أن حكم القانون، أو العدالة في هذا البلد، باتت مسألة إستنسابية في ظل حكم هذا الحزب، ذلك أن العدالة والقانون لا يطبقان في هذه الأيام الا على المساكين والدراويش الذين لا سند لهم ولا ظهر يحميهم، لا بل يمكن تركيب الملفات لهم وزجهم في السجون من دون أن يجدوا من يستمع الى مظلوميتهم، كما أن القانون لا يسري هنا الا على أخصام الحزب حتى لو كانوا نواباً وسياسيين وإعلاميين ورجال فكر وأصحاب رأي حرّ، في حين تبقى جرائم الحزب بدءاً من ترهيب الناس وقطع الطرق والإتجار بالمخدرات والدواء المزور، وصولاً الى القتل والإغتيالات بمنأى عن المحاسبة، لا بل أن هذه الجرائم "المباركة" تزيد مرتكبيها مراتب، وتجعلهم من "صفوة" الناس وأطهر الناس وأشرف الناس، كما أن جرائم الحلفاء الذين لا يجرؤون على إخراج رؤوسهم من تحت عباءته تزيدهم عزّة وتبقيهم في خانة الإصلاحيين والتغييريين حتى لو تكدست ثرواتهم على حساب الشعب وإمتلكوا الطائرات الخاصة، وحتى لو غرقوا في السمسرات والصفقات وأغرقوا الناس في الفقر والعوز والعتمة، ولا ضير في ذلك طالما أنهم أصحاب شعار "الإصلاح والتغيير" ورافعي شعار بناء دولة القانون والمؤسسات الذي ورثوه عن عهد إميل لحود المشؤوم الذي كان عهد الإغتيالات التي إرتكبت بالتكافل والتضامن بين الحلفاء المحليين والإقليميين.
هذا الكلام ليس من باب التجني والإفتراء، إنما هو حقيقة تثبتها الوقائع والأدلة والشواهد التي لا تعد ولا تحصى، وهناك عشرات الجرائم التي أثقلت مسيرة هذا الحزب، وكشفت الوجه الحقيقي لبرنامجه، كما أن سلته باتت تفيض بالمتورطين في جرائم الإغتيال والقتل، ولا مشكل مهما إزداد عددهم وتضاعفت جرائمهم ما دامت يد العدالة قاصرة عن أن تطالهم أو تمسك بهم، وعلى سبيل المثال لا الحصر، من المفيد تذكير "حزب الله" برعايته للإغتيالات وعمليات القتل، ويكفي في هذا الباب الإشارة الى حمايته للمتهمين الأربعة في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وبإغتيال المناضل جورج حاوي ومحاولتي إغتيال الوزيرين مروان حمادة والياس المر، وهم قياديون أمنيون من الصف الأول، وضعهم في مصاف القديسين وتحدى العدالة الدولية بالتعهد بعدم تسليمهم حتى بعد 300 سنة، بما يشكل تحدياً للمحكمة الدولية، وإستفزازاً سافراً لجمهور رفيق الحريري الواسع، ولأهالي الشهداء وظلماً ليس بعده ظلم للشهداء الأموات منهم والأحياء.
وإذا كان "حزب الله" يزعم زوراً وبهتاناً أن المحكمة الدولية هي محكمة اميركية إسرائيلية هدفها النيل من المقاومة، يقتضي هنا سؤاله عن سبب رفضه القاطع تسليم أحد مسؤولية الأمنيين وهو محمود حايك المتهم بمحاولة إغتيال النائب بطرس حرب، وما هي الموانع التي تحول دون تقديمه للتحقيق اللبناني طالما أنه لا يثق بالقضاء الدولي؟، ولماذا أوعز الى الحكومة واللجنة القضائية المستقلة بعدم تسليم "داتا" الإتصالات على أثر إحباط محاولة إغتيال الدكتور سمير جعجع وإكتشاف مخطط محاولات لإغتيال الرئيس فؤاد السنيورة والنائب سامي الجميل واللواء أشرف ريفي واللواء وسام الحسن قبل إغتيال الأخير بأشهر قليلة؟، كيف ينبري هذا الحزب عند كل إغتيال الى الطلب من الفريق المستهدف بالقتل بالسيارات المفخخة الى عدم التسرع في الإتهام السياسي تجنباً للفتنة، ويدعو الى إنتظار نتائج التحقيق، وعندما يصل التحقيق الى نتيجة والى مشتبه به أو متهم من الحزب يرفض تسليمه ويضرب عرض الحائط بكل التحقيقات ونتائجها؟.
طبعاً جرائم حزب المقاومة لم تتوقف عند هذا الحدّ، ويكفي الإشارة الى أن السلاح الذي يتمسّك به هذا الحزب ويدعي أنه لحماية لبنان واللبنانيين، هو السلاح نفسه الذي يُقتل به اللبنانيون، وآخر ضحايا هذا السلاح الجريمة التي إرتكبها مقاتلو الحزب على "جبهة التعمير" في صيدا وذهب ضحيتها الشابان لبنان العزي وعلي سمهون من دون أي سبب يستدعي إرتكاب هذه الجريمة، وبقاء القتلة أحراراً حتى من دون أن تصدر مذكرات جلب بحقهم أو بلاغات بحث وتحر، في حين تمّ إصدار بلاغات البحث والتحري بحق 24 شخصاً ممن ظهروا في مسيرة تشييع الشهيدين المظلومين العزي وسمهون، وكانوا يحملون سلاحاً فردياً، وقبلها جريمة قتل النقيب الطيار سامر حنا وإسقاط طائرته وتقديم شخص للمحاكمة ككبش فداء عن الحزب علماً أن هذا الشخص لم يبق في التوقيف لأكثر من ثلاثة أشهر، ولم يصدر حكم قضائي بحقه رغم مرور أربع سنوات على الجريمة، عدا عن قضية مقتل الزيادين التي إرتكبها ستة أشقاء من آل شمص، الذين يحظون بحماية الحزب، ولا يجرؤ أحد على تعقبهم أو حتى السؤال عنهم، وهذا ما أقرّ به صراحة أحد المتهمين في هذه القضية أمام المجلس العدلي منذ أيام، حيث أكد المتهم المخلى سبيله أن الأشقاء شمص يقيمون جميعاً داخل المربع الأمني لـ"حزب الله" في الضاحية الجنوبية ويلتقي بهم يومياً وهم يتجولون ويعيشون حياتهم الطبيعية، فضلاً عن دور هذا السلاح الأساسي في قلب المعادلة السياسية وتطيير حكومة وتنصيب حكومة أخرى، وعدا عن إحتلاله وسط بيروت لأكثر من سنة ونصف، وإجتياح السابع من ايار والضحايا الأبرياء الذين سقطوا نتيجة مغامرة هذا الحزب، وفرض إتفاق الدوحة بالقوة ومن ثمّ نسف كل بنوده بقوة هذا السلاح ايضاً.
الغريب أن جنوح حزب السلاح نحو الإغتيالات والعمليات الأمنية لم تقتصر على لبنان، إنما إمتدت الى الخارج على نطاق واسع، ولا داعي هنا لتعداد عمليات خطف والأجانب وإغتيال السفراء وتفجير السفارات وخطف الطائرات، إنما يكفي الإشارة الى عمليتين حديثتين وهما الإتهام الذي ساقه القضاء البلغاري ضد "حزب الله" وإيران بتفجير حافلة للركاب في مطارها الرئيسي في 20 تموز الماضي، ما أحرج رئيس الحكومة نجيب ميقاتي في زيارته لبلغاريا، حيث لم يستطع أن يقدم التبريرات بعدما واجهته الحكومة البلغارية بما لديها من أدلة، والثانية المخطط الذي كان يستهدف مصر والذي إكتشف على أثر توقيف شبكة سامي شهاب في مصر، ومحاكمة هذه الشبكة التي أدينت من القضاء المصري بمحاولة القيام بأعمال إرهابية في مصر والتخطيط لإستهداف عدد من السفن في قناة السويس، والذي إستطاع "حزب الله" تهريب شهاب بوسائله الخاصة في خضم الفوضى التي كانت تعمّ في أيام الثورة.
أما الجرائم المالية والأخلاقية، فحدث ولا حرج، وتكفي الإشارة في هذا المجال الى ضلوع هذا الحزب في جرائم تصنيع المخدرات والإتجار بها في الداخل والخارج، من خلال إكتشاف مصانع الكابتاغون في البقاع وداخل دار للعبادة يديرها شقيق النائب حسين الموسوي المتواري عن الأنظار، أو المحمي بالجهاز الأمني نفسه الذي يحمي قتلة الرئيس رفيق الحريري، كما تكفي الإشارة الى تورط الحزب في عملية إدخال الأدوية المزورة الى لبنان وإغراق الأسواق اللبنانية بأكثر من 400 صنف من الدواء الفاسد والمغشوش، من خلال محمود فنيش شقيق الوزير محمد فنيش الذي أثبتت وزارة الصحة والجامعة العربية تزوير ملفات عائدة لهذه الأدوية التي باتت موضع شبهات وتضع صحة المواطنين في خطر حقيقي.
هذه الأمثلة إن دلّت على شيء فإنما تدلّ على أن "حزب الله" هو الذي يحكم البلد ليس بقوته السياسية إنما بعضلاته وبسلاحه المنتشر في كل زاوية ليفرض عبره شروطه ويثبت دعائم حكمه، وللدلالة على إستنسابية الملاحقات والمحاكمة، لا بد من السؤال عن مآل التحقيقات في شبكة ميشال سماحة ـ علي مملوك ولماذا لم يتقدم هذا التحقيق ولم يصدر القرار الإتهامي رغم دعوة رئيس الجمهورية أكثر من مرة لحسم هذه المسألة؟، أين أصبحت التحقيقات في قضية إغتيال اللواء وسام الحسن الذي أدى إغتياله الى كشف البلد أمنياً؟، لماذا لم يحرك النائب العام التمييزي الإخبار المقدم من ثلاثة نواب حول تهديدات الجنرالات الثلاثة ميشال عون وجميل السيد ومصطفى حمدان الصريحة والواضحة بالصوت والصورة بقتل اللواء الحسن؟، ولماذا الإخبارات التي قدمت ضدّ أخصام "حزب الله" تسير بسرعة لافتة؟.
العجز الأمني الرسمي عن تعقب متهمي "حزب الله" بالجرائم المشار اليها، يبررها مصدر أمني لـ"المستقبل"، فيوضح أن "تعقب هؤلاء في المناطق الواقعة تحت سيطرة "حزب الله" له محاذير امنية". ويؤكد المصدر أن "قضية من هذا النوع تحتاج الى قرار سياسي لا يبدو متوفراً حتى إشعار آخر". ويسأل "إذا كان ممنوعاً على الأجهزة الأمنية فتح طريق المطار أو الطرق التي يقطعها محتجون في الضاحية لأسباب عادية، كيف يمكن تنفيذ مداهمات لتوقيف مسؤولين من "حزب الله" بهذه السهولة؟، هذه مغامرة بكل ما للكلمة من معنى". ويذكر المصدر بأن "الأمن هو أمن سياسي ويفرض بقرار سياسي، قبل أن يكون إجراءً قمعياً أو ردعياً".