كتب حسن الأيوبي في صحيفة" المستقبل":
عام آخر يمضي على طرابلس وهي تنتظر أن تجد من ينصفها أو يتحسس مشاكلها وينكب على معالجة أزماتها التي باتت مزمنة. الفيحاء تشكو الكساد في الأسواق وتراجع اقتصادها وتزايد حجم البطالة وانعدام الأمن. وكل ذلك في ظل حكومة قالت إنها حكومة "القول والعمل". يردد رئيسها انه هو وأربعة من الوزراء فيها من أبناء المدينة، جاؤوا الى الحكم لانصافها ووضعها على خارطة الانماء، فاذا بها تحصل على أكبر عدد من جولات العنف وعلى اقل نسبة حركة في الاقتصاد وعلى اكبر كم من الحرمان والتسرب المدرسي وغياب الدولة عن كل ما يمت الى مصلحتها بشيء. امور باتت محل اتفاق بين كل الفرقاء ولا يختلف عليها اثنان.
يرى عضو كتلة المستقبل النيابية النائب سمير الجسر ان ما من شك بأن السنة التي تذهب غير جيدة. وقد حصل فيها خلل امني كبير وعلى دفعات، من اشتباكات وحالات امنية سيئة. وهذا ما ارخى بظلاله على المدينة، ليس فقط على امن الناس واستقرارهم النفسي بل وضعهم الاقتصادي أيضاً، لأن أي طلقة رصاص في مناطق الاشتباك اولاً، توقف الحياة الاقتصادية في هذه المناطق لشهر، ولها أيضاً انعاكساتها على المدينة بأسرها. وعندما يهتز الاقتصاد، فإن وضع الناس الاجتماعي يهتز، خاصة وان معظم الناس في طرابلس يعملون بمدخول يومي. وهذه السنة كانت سيئة جداً. والمؤسف أن المعالجات لم تكن ولا لمرة واحدة على المستوى المطلوب، ولو كانت كذلك لما تجدد شيء من الفوضى الأمنية التي حدثت. والمؤسف أنه ما بين المرة والأخرى كانت هناك حالات أمان واستقرار وعدم قتال، لكن كان هناك ليلياً اطلاق قذائف أو إلقاء قنابل يدوية وفي محيط ضيق جداً، ما يطرح السؤال إن كان من المعقول أن الامن الوقائي لا يعلم بهذه الامور؟ ولو كانت اتخذت تدابير حقيقية بوجه من يخل بالامن هل كانت تجددت الاشتباكات؟ وهنا سؤال أكبر: لماذا ترك الأمن في طرابلس على هذا النحو؟ في المرة الاخيرة، أعلن عن تدابير مختلفة أقوى مع قوات أكبر. ونعرف أن القوات لا تبقى دائماً في مكان واحد، ولكن في الوقت نفسه، السؤال المطروح هو ما إذا كانت التدابير التي وعد بأنها ستتخذ ستدوم أم لا. الحياة وبمنتهى الصراحة، هي أمن. واذا لم يكن هناك لا أمن ولا استقرار ولا اقتصاد ولا حتى وضع اجتماعي سليم، والمؤسف أيضاً حدوث هذه الأمور في ظل حكومة فيها رئيس وأربعة وزراء من أبناء طرابلس، وهم من يفترض أنهم يتحسسون أكثر من باقي الوزراء، وضع مدينتهم كمسؤولية وطنية وليست محلية. فهل يا ترى تتخذ الوسائل الناجعة لمنع تكرار هذا الأمر. كنا تأملنا بعد تدخل رئيس الجمهورية وعقد مجلس الدفاع الأعلى والإعلان عن تدابير أخذت، أن الأمر سيشهد استقرارًا كبيراً وطويلاً. نأمل ألا يخيب أملنا.
وختم الجسر "إن اي نمو مرتبط بعملية الاستقرار الامني. لا أمن يعني أن لا نمو، وبالتالي فإن أمن المدينة أساسي ولا أحد سيقدم على الاستثمار بغياب الاستقرار الأمني، حتى أبناء المدينة لن يقدموا على ذلك بوجود الاضطراب وغياب الامن".
منسق عام تيار "المستقبل" في طرابلس مصطفى علوش يعتبر أن السنة التي تمضي كانت عصيبة على مدينة طرابلس بشكل عام، وذلك لتراكم ملفات عدة. فمع استمرار الوضع الاقتصادي الضاغط على اقتصاد المدينة بسبب الوضع الامني غير المستقر والمتردي، واستمرار جرح باب التبانة نازفاً، ومواضيع أخرى على المستوى المحلي، من ضمنها قضية شادي مولوي والوضع في عكار والاعتصامات، ما ادى الى جمود أكبر في الوضع الاقتصادي المأزوم أصلاً. كما أن الثقل الأمني والسياسي للثورة في سوريا له انعكاساته المضاعفة على مدينة طرابلس لترابط هذه المدينة في السياسة والاجتماع مع الواقع السوري. مع الإشارة إلى تردي الوضع الاقتصادي في لبنان بشكل عام، ما ادى الى تآكل ما يمكن أن تناله طرابلس من ازدهار كان قائماً في السنوات الماضية. أمور واقعية ومحزنة في الوقت نفسه. لكن الآمال مفتوحة الآن في ظل بوادر واضحة بأن الثورة السورية أصبحت قاب قوسين من الانتصار النهائي. ونحن نتأمل بأن الأشهر القادمة ستؤدي الى إعادة إنتاج نوع من الازدهار الاقتصادي والانتعاش لاقتصاد المدينة. بالاضافة الى ما سيحدث من تبدل في موازين القوى سياسياً وأمنياً بعد أن كانت وضعت طرابلس في الزاوية الصعبة، خلال عقود من تاريخها".
ويضيف علوش "أبناء طرابلس يعيشون على هذا الأمل، وهم صابرون بانتظار هذا الأمل. ومن واجبنا كسياسيين، أن نواكب هذه الانطلاقة الموعودة ونسعى لأن تحصد هذه المدينة فوائد زوال غيمة النظام السوري من المنطقة من خلال العيش الحر والكريم الذي تستحقه طرابلس".
رئيس المنتدى الاقتصادي الشمالي صلاح الحلبي يقول: "حين نتكلم عن الحالة الاقتصادية التجارية في طرابلس والشمال، لا بد من تناول الأحوال الأمنية والسياسية التي شهدتها العاصمة الثانية طول العام 2012.
فالخضات الأمنية التي انعكست سلباً على سوق العمل، لم تتوقف طوال السنة، مع ما رافقها من فلتان السلاح، واشتباكات دورية بين التبانة وجبل محسن، واغتيال الشيخين عبد الواحد ومرعب في عكار، وكمين تلكلخ، وأخيراً وليس آخراً اضطرار مفتي طرابلس والشمال الشيخ مالك الشعار للبقاء في الخارج اثر تهديدات جادة وجدية بالقتل. كل ذلك حدث بشكل متلاحق، ما أدى إلى شلل في حركة انتقال الناس، وتوجههم إلى المدينة، المفترض أن تكون القلب النابض للعمل، فإذا بها تتحول إلى شوارع مقطوعة بالدواليب، وإلى محلات عاجزة عن الإيفاء بالحد الأدنى من المصاريف، وإلى إقفال عدد كبير من المؤسسات، ما يعنيه ذلك من صرف عمال وازدياد البطالة التي هي أصلاً، مرتفعة، بل مخيفة في الشمال، كما تؤكد ذلك الدراسات والتقارير التنموية."
ويضيف: "ما يزيد الطين بلة، أن الحكومة اللبنانية، رغم أن رئاستها طرابلسية ووازنة بالوزراء الشماليين، فقد بقيت عاجزة عن مواكبة التطورات الأمنية. وبالتالي بقيت بعيدة عن مد يد العون للنشاط الاقتصادي والتجاري في المدينة التي أحست بأنها متروكة للعبث الأمني، ومتروكة للمساعي الحميدة للحراك المدني الذي كثف نشاطاته وضغوطه لوقف النزيف الأمني، عبر شعار طرابلس خالية من السلاح، ولوقف النزيف الاقتصادي المدمر عبر شعار ضرورة قيام الدولة بمشاريع كبرى في المدينة، ما يحرك العجلة الاقتصادية.
ويتابع: "طرابلس تحتاج إلى خطة إنقاذ واسعة يمكن أن نسميها "بالمارشالية"، تبدأ بتحريك المنطقة الاقتصادية في المرفأ، ولا تنتهي بوضع حد نهائي وتام للخلل الأمني بين التبانة وجبل محسن، وبإيجاد خطط خلاقة يمكن أن تنقل أهالي هاتين المنطقتين من حالة نزاع دائم إلى عمل تنموي مشترك تشرف عليه الحكومة، ولو صرفت ملايين الدولارات من أجل ذلك. فطرابلس تستحق ذلك. كما يستحق ذلك أهالي التبانة وأهالي جبل محسن الذين ينتمي معظمهم إلى "لبنان أولاً" وليس الى اي دولة شقيقة أو صديقة أو مجاورة. وفي المناسبة أود أن ألفت النظر الى أن التعيينات التي شملت إدارة معرض كرامي الدولي تعتبر خطوة إيجابية، إلا أنها تبقى صورية إذا لم تترافق مع خطة مدروسة وخلاقة لتفعيل المليون متر، وهذا ما لم نسمعه بعد من المجلس الجديد، حتى إنهم لم يعلنوا عن أنفسهم وتطلعاتهم بأي شكل من الأشكال. ويطرح الحلبي مجموعة تساؤلات: "لماذا لا تبدأ الحكومة بصرف المئة مليون ليرة التي اقرتها لإنعاش المدينة؟ ولماذا لا يوضع حد نهائي للشلل الحاصل في بلديتي طرابلس والميناء، وهو شلل متأتٍ من صيغة التوافق التعيسة الذكر، ولماذا لا تُجرى الانتخابات في جمعية التجار؟ ويمكن تعداد الكثير من الـ"لماذا" التي تشير إلى الموت البطئ الذي تمر به طرابلس ويمر به اقتصاد طرابلس".
ويختم قائلاً "سنة 2012 كانت الأسوأ في المسار الاقتصادي للعاصمة الثانية. عسى تشكل 2013 سنة النهوض، وليس سنة الانهيار الكبير الذي لن ينجو منه تاجر أو سياسي أو موظف، أو أي مواطن آخر؟".