كتبت كارلا خطار في "المستقبل":
اللبنانيون لم "ينأوا بأنفسهم" عن العيد، كما أن العيد لم ينأى بفرحته عنهم في ظل حكومة تنأى عن أعيادهم وأفراحهم. هو السلاح والانقلاب الذي حال بينهم وبين التفاؤل والفرح والبسمة. يتمنى اللبنانيون لو كان بيدهم تأجيل الأعياد الى حين يتكامل العيد مع الفرحة، كما تمنّوا قبل ذلك أن يُرحّلوا "حكومة السلاح".
اللبنانيون كباراً وصغاراً يجمعون على أن العام 2012 كان الأسوأ في حياتهم، وعلى مختلف الصعد. لم يلمسوا فيها ما "يفشّ خلقهم" ويرفّه عنهم. قضوا عاماً كاملاً يعملون ليتقاضوا راتباً يصرفوه بكامله في متاجر المنتجات الغذائية، بالكاد كانوا يشترون الحاجيات الأساسية محاولين تقليصها و"التحايل" على الراتب ليصمد حتى العاشر من الشهر.
أوضاع اللبنانيين المتردية تلك، لم تنقلب هكذا بين ليلة وضحاها، إنما تتلازم مع الوضع السياسي يتحكّم بدوره بالامور الاقتصادية والاجتماعية والقضائية، والاهتمامات التي تطالهم من الداخل والخارج، فيما الحكومة اللبنانية وعلى عكس الحكومات العالمية جمعاء، ترى في التطوّر الاقتصادي والخطط الطويلة الأمد لإنعاش لبنان مالياً "إرثاً ثقيلاً"!
فماذا فعلت؟ لم تحاول حتى إن تغيّر نظرة اللبنانيين نحوها، أو "تلميع" صورتها أمامهم وأمام الدول المحيطة. إنه زمن الانقلاب، انقلاب "حزب السلاح" للتفرّد بوطن العيش المشترك، بوطن يقطف ثمار الغطرسة والديكتاتورية وتشبيح 7 أيار 2011، دستور وقانون يعلوهما السلاح والقمصان السود، اغتيالات ومحاولات اغتيال بالجملة لكل من يحاول أن يبدّل مسار حياة اللبنانيين أو يحافظ على كرامتهم.
الحكومة أثقلت كاهل المواطن، وزراؤها يتناتشون الحصص، يوزّعون أرقاماً مميّزة، يعيّنون الأنسباء والأقرباء، "يطنّشون" على المخالفات والفساد والتزوير والتهريب، يدعمون الظالم ويقاتلون المظلوم، تناسوا المواطن اللبناني القابع في منزله لا يجرؤ على الخروج حتى لا يُقتل أو يُسرق أو لتفادي التفجيرات المعدّة لاغتيال قوى 14 آذار، يفضّل ملازمة المنزل للتخفيف من المصروف وشراء الطعام لأولاده، وأخيراً مع نهاية هذه السنة ستتوفّر للبنانيين الفرصة لترداد الإجابة التي يتناقلونها على سبيل المزحة، إذا ما سُئلوا أين سيقضون سهرة رأس السنة فتكون الإجابة "في اللافيراش".
ترى أين سيسهر رئيس "حكومة السلاح" ووزراؤها من أعداء الشعب السوري؟ على الأرجح أنه في ليلة رأس السنة يسهرون شاهرين سلاحهم الأسود… لكن الأوان آن ليناموا ويخففوا من حملهم الثقيل على اللبنانيين، علّ هؤلاء، يجدون السبيل الى حياة كريمة. لم يفرح اللبنانيون بالعيد، إنما رفعوا صلواتهم مع ولادة يسوع المسيح ليولد لبنانهم من جديد. ليلة رأس السنة، سيمضيها غالبية اللبنانيين في منازلهم أو عند الأصدقاء، على الرغم من أن السهرات الفنية عامرة في كل قاعات السهر في لبنان… غير أن المواطن اللبناني لا تسعفه ميزانيته هذا العام حتى في رسم ابتسامة على شفتيه. وإن كان لا بدّ من أن تقدّم "حكومة السلاح" من "عيديّة" الى اللبنانيين، غير هداياها من الفساد والعتمة والتزوير والسلاح والتفجيرات، فالعيدية تبقى رهن استقالتها وتغيير وجهة سير لبنان من الهاوية الى القمة بعد الانتخابات النيابية في العام الجديد.
كيف يقرأ السياسيون "عام الانقلاب" وهل يتساوون مع اللبنانيين في الظروف الصعبة؟ أما المواطن فكيف سيمضي عيد رأس السنة تحت تأثير معاناة الشعوب العربية الذي ينعكس على الحكومة "نأياً بالنفس" عن معاناته المادية والاجتماعية والاقتصادية؟ الذي ينسحب أيضاً على النازحين السوريين.
سياسياً، يختصر عضو كتلة "المستقبل" النائب عمار حوري مشهد العام 2012 قائلاً: "في العام 2012 ظهرت النتائج العملية على المستوى اللبناني لانقلاب 11 كانون الثاني 2011، على كافة الصعد خصوصاً منها السياسية والاقتصادية والاجتماعية وعلى مستوى علاقات لبنان عربياً ودولياً". ويأمل حوري أن تكون "سنة 2013 عام استعادة قرار الحرية والسيادة والاستقلال، واستعادة الأكثرية الشعبية اللبنانية، وسنة وضع النقاط على الحروف على المستوى اللبناني".
ويرى أنه على "المستوى العربي ستكون سنة قطاف ثمار الربيع العربي من خلال وصول الشعوب العربية وفي مقدمتها الشعب السوري الشقيق للحرية والسيادة والاستقلال ولنظام ديموقراطي حرّ".
من جهته، يشبّه عضو كتلة "القوات اللبنانية" النائب طوني أبو خاطر العام 2012 بالحياة عموماً، ويقول: "في الحياة مراحل صعود وهبوط وفيها متغيّرات". وتابع: "نحن نمرّ بأصعب الأوقات لأننا لا نعيش في جزيرة معزولة بل نكوّن جزءاً من هذا العالم العربي الذي يحتوي مكونات تتفجّر، وسنشهد ساحة عربية مستنيّرة".
ويضيف أبو خاطر أن "لبنان في المخاض الصعب اليوم، لذا "ما حدا مرتاح"، ونحن مثل المواطن اللبناني وكلنا نمرّ معاً في هذه المرحلة الصعبة وعلينا أن "نعضّ" على جرحنا، خصوصاً وأن الضوء بدأ يشعّ، أي أن الأمور اقتربت من نهايتها". ويؤكد أن "الحكومة أتت بقوة السلاح أي في ظروف غير طبيعية، وكل ما هو غير طبيعي لا يدوم". وتابع: "نحن كاللبنانيين لا نعوّل بأي شيء على هذه الحكومة، فقد شهدنا على الفساد والفوضى وعلى خروقات واستخفاف بالسيادة من "قلة الهيبة" يعبّر عنها السفير السوري".
ورأى أبو خاطر أن "على اللبنانيين، كما نحن، استيعاب كل هذه الأمور، كما علينا أن نعي في مطلع العام 2013 دقّة المرحلة وعلينا أن نعمل كي لا يكون كما يقال: "الرعيان في وادٍ والقطعان في وادٍ آخر" وكأن لا أحد يريد أن يسمع للآخر". وتمنّى أبو خاطر على "الكل وتحديداً على الفريق الآخر التخفيف من عنجهيّتهم والكبرياء"، ودعا "الفريق الآخر الى التواضع والتخلي عن التعنّت"، وختم: "ليس هناك من حكومات تدوم ولا التسلّط يدوم وقد علّمنا التاريخ أن لبنان بلد التنوّع وعلينا فقط بالحوار والتلاقي بين كافّة الأطراف، وهذا هو السبيل الوحيد لإنقاذ هذا البلد".
على المستوى الشعبي، ينظر المواطن نظرة تشاؤم واسوداد الى ليلة رأس السنة وفترة الأعياد عموماً، فالسيولة مفقودة أو كلّها موجّهة للدفع مسبقاً في كمبيالات أو لشراء الحاجيات الضرورية من طعام وبعض الملابس. وتبقى فرحة العيد مؤجّلة الى ما بعد عهد "حكومة السلاح"، وتبقى الصلاة وحدها سبيل لبنان الى الخلاص من الاستبداد والتزوير.
تردد مريم، وهي أم لخمسة أولاد، "عيد بأية حال عدت يا عيد". وتردف: "خصصت 100 ألف ليرة لشراء الطعام لسهرة العيد وسأقضيها مع عائلتي وعائلة أختي وقد تقاسمنا التكلفة". وأضافت مريم: "لم نتوقّع صراحة أن يكون وضعنا سيئاً الى هذه الدرجة هذا العام، إنها التجربة الأولى التي نمرّ بها ويمكن القول إننا لن نتحمّل أن يستمر وضعنا على هذه الحال في العام المقبل".
ويعزو جورج، الذي كان يقضي سهرات رأس السنة في المرابع الليلية مع أصدقائه، الوضع المتردّي هذا العام الى "الحكومة التي تنأى بنفسها عن أوضاع اللبنانيين الاقتصادية لتهتمّ فقط بما وُجدت من أجله وهو الدفاع عن نظام بشار الأسد". وعلّق: "هذا ذنب الشعب اللبناني الذي كان عليه أن "يقيم القيامة" حتى يقيل الحكومة اللبنانية لكنه لا حول له ولا قوة في مواجهة سلاحها".
وتقول رشا إنها "حضّرت لسهرة رأس السنة مع أصدقائها وسيكون الاحتفال في منزلها وقد تقاسمت التكلفة معهم". وتضيف: "لن يهنأ لنا العيش في ظل هذه الحكومة لكن الشعب اللبناني شعب خلوق ومضياف وكريم ولن يقبل أن يمرّ العيد مرور الكرام أملاً بأن تكون الأيام الآتية أفضل"، وتردّ رشا ذلك الى "إصرار اللبنانيين على أن ينأوا بنفسهم عن إرهاب الحكومة ونقل القليل من تفاؤلهم الى الحياة اللبنانية".
وبالنسبة لكثيرين، فهم لم يشعروا أبداً بقدوم العيد وستكون سهرة العيد كما كل السهرات وسيلازمون المنزل كما في كل ليلة. هذا هو حال سلام، شاب في عقده العشرين، الذي "سيبقى مع أهله في المنزل ويستقبل العام الجديد على الشاشة الصغيرة" آملاً أن "لا يصاب اللبنانيون بأي مكروه لأن ما فيهم بيكفيهم".