#adsense

إعادة الاعتبار للسياسة: تفصيل غير صغير في مجرى “الثورات الربيعية”

حجم الخط

السياسة في مرحلة انهيار أنظمة، وتصدّع مجتمعات، ليست شيئاً ينتظر مطوّلاً كي يتدرّب المرء عليه، ويتمرّسون في علومه وفنونه، ثم يخوضون في ممارسته واتقانه.

وليست في المقابل شيئاً يمكن الاستبشار بتعلّمه من الميدان والظرف فقط، بدعوى انّ كل مخاض يبشّر بمولود جديد، وكلّ خطأ يعلّم. ليس ذلك صحيحاً: التعلّم من الأخطاء لا يجدي الا في اطار وعي حريص على ارتكاب الحدّ الأدنى من الأخطاء، وعي غير متساهل مسبقاً مع ارتكابها بدعوى قلة الخبرة، أو صعوبة الظرف، أو قلّة المتاح، أو شدّة البطش والتنكيل أو فظاعته.

واذا كانت النزعة "البكائية" على الأنظمة المنهارة، أو الرؤيا "السوداوية" لتصدّع المجتمعات تحجب النظر وتعيق العمل، فان "المخاضية" هي الأخرى اعوجاج ذهني، كحال من يدخل على حفل عزاء صائحاً "ان شاء الله دايمة".

ليس كل شيء مخاضاً حيوياً. هذا هو المعنى الأول المطلوب استعادته للسياسة. اعادة الاعتبار للسياسة ليست مرهونة بفترة اعداد وتدريب ايضاً، لان هذا الرهن سوف يسمح لاحقاً بالتبرير للأمر الواقع الذي يجعلنا أمام ثورات دفعت رأساً بغير المدرّبين كفاية على السياسة الى الصفوف الأمامية، ولا يمكن لهؤلاء ان يعتبروا ما ينقصهم ضمانة لهم من عدم اللوم، أو من عدم الحثّ على الالتقاط السريع لمعنى السياسة.
ما السياسة، اليوم، بالنسبة للثورات الربيعية، خصوصاً السورية والمصرية، بل السورية منها اكثر من سواها؟

السياسة هي ان تدرك ان اطاحة النظام تحتاج فضلاً عن الانتفاضة الشعبية، والتمرّد المسلّح، الى الركن الثالث للثورة، وجهها السياسي، الذي يؤطرها كحركة تحرير وطني. وفي سوريا، قطع هذا الركن شوطاً كبيراً على سبيل ايجاد الاطار الشكليّ له، من خلال المجلس الوطني ثم الائتلاف، ومن خلال الاعتراف الخارجي النسبي به، الا انه ما زال يعاني مشكلات اساسية، سواء في علاقته مع الركنين الآخرين، او في نظرته الى نفسه، او في تشخيصه للبعد السياسي من الصراع، اذ ان الركن السياسي الصرف من الثورة يستقيل من مهامه حالما اختزل الثورة بالركنين الآخرين واعتبر نفسه مجرّد انعكاس لهما لا اكثر، فعفا نفسه من هامش الحركة السياسية المفترض ان يكون قائماً بذاته، وقادراً على الرد على مشاريع التسوية المختلة او الملغومة من موقع النظام وحلفائه، بمشاريع التسوية والمصالحة الوطنية من موقع اسقاط مركز النظام، آل الأسد، كحدّ أدنى، والسعي في الوقت نفسه الى "وراثة بقايا الدولة" على طريق بناء تلك الجديدة.

ان اعادة الاعتبار للسياسة هي اليوم التحدي الكبير على جدول اعمال الربيعيين العرب، والحركات الاسلامية التي تزايد على الجميع في "مصادر التشريع" وفي "مقاصد الشريعة"، لا يمكن مواجهتها سواء على ارضية التراث نفسه او على ارضية الحاضر نفسه الا بمعاني السياسة. تيار السياسة هو الندّ النظري الاساسي لتيار تحكيم الشريعة.

وتيار السياسة لا يعني "براغماتية مبتذلة" بلا اطار ولا وجهة، بل يفترض ان يرتبط بالفكرة الوطنية، فكرة بناء الدولة الأمة السورية في سوريا، اللبنانية في لبنان، المصرية في مصر، وهكذا. انه تيار احياء الفكرة الوطنية كفكرة سياسية قبل ان تكون ثقافوية، وبوصفها الاطار الحديث لعيش وانتاج وتنظيم الاختلافات بين المواطنين.

ليس صحيحاً ان فكرة القومية بمعنى الامة الوطنية وليس الامة الرسالية، على طريقة البعث الكابوسي، هي فكرة اندثرت. العالم اليوم يعج باشكال كثيرة من الحركات الوطنية والقومية، المتفاوتة والمتعددة الاشكال. ليس صحيحا ان حركات الاحياء الديني وحدها الرائجة. وفي كثير من الاحيان يحصل تداخل بين المستويين.

والايديولوجيا القومية في حالات مختلفة كثيراً مثل ايران وتركيا ومصر وتونس اما هي مكمل واما هي مصفاة او موجه او بديل او منظم للايديولوجيا الدينية الاحيائية. هذا ما يجعل التفاؤل ممكنا حيال هذه البلدان. طبعاً، مع التنبيه الى خطورة الشهوة الامبراطورية في ايران التي تدمج الايديولوجيتين الدينية والقومية.

في سوريا، فان البوصلة الواضحة ضد اسقاط نظام ال الأسد، ينبغي هي ايضاً ان تتنبه الى ان عدم اعطاء البعد السياسي ما يستحق، وهدر الحمية الوطنية على محراب الحيوية الدينية، لا يصبّان كثيراً في سياق تقليص فترة عذابات السوريين.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل