يخطئ من يعتقد أنّ وظيفة «14 آذار» تنحصر في تثبيت الاستقلال واستعادة السيادة وقيام الدولة وإعادة الحياة إلى دورتها الطبيعية. وإذا كان ما تقدّم يشكّل جزءاً لا يتجزّأ من وظيفتها، فإنّ دورها يبقى في مكان آخر.
مجموعة عوامل جغرافية وتاريخية وسياسية ميّزت المسيحيّين اللبنانيين عن المسيحيّين المشرقيين الذين كانوا ينظرون إلى تجربة نظرائهم بعين الإعجاب والتقدير ويأملون في نقل هذه التجربة إلى مجتمعاتهم وتعميمها تحقيقاً للمساواة والعدالة والحرّية والديموقراطية.
يدرك المسيحيّون المشرقيّون أنّ الشراكة على مستوى القرار السياسي مسألة أخرى وولوجها مستحيل، لغياب التوازن الديموغرافي والتجربة المؤسّسة وطبيعة المجتمعات الإسلامية، وأيّ محاولة لاستنساخ التجربة اللبنانية ستبوء بالفشل، فيما المطلوب إيجاد الصيغة التي تتلاءم مع كلّ بيئة على قاعدة إرساء أنظمة مدنية تتيح لكلّ المكوّنات المشاركة السياسية والتعبير عن أفكارها بحرّية.
وقد أعطت الثورات العربية بهذا المعنى الأمل بالتغيير، وقدّمت الفرصة للجماعات غير الإسلامية أو المحمدية التي لا تنتمي إلى الأكثرية من أجل الخروج من حالة التهميش والقمع، وهذا أمر بديهيّ لأنّ أيّ تطوير للنظام السياسي باتّجاه الديموقراطية لا يمكن أن يستثني أحداً، إنّما تستفيد منه، بطبيعة الحال، كلّ المكوّنات الطائفية والرأي العام خصوصاً.
وفي هذا السياق بالذات يدخل دور قوى 14 آذار التي عليها أن تثبت أنّ التقاءَها أبعد من مواجهة مع نظام سوريّ يريد الهيمنة على لبنان، وسلاح إيراني يبقي الدولة معلّقة واحتمالات الحرب مفتوحة، إنّما هو إنجاحُ العيش المشترك الذي يعمل هذا النظام وذاك السلاح على ضربه، لأنّ نجاح هذه التجربة يعني زوال الذرائع التي يتلطّيان خلفها لإبقاء لبنان ساحة.
وقد نجحت 14 آذار في تجديد الميثاق الوطني وإعطاء الأمل بأنّ لبنان قابل للحياة، وكلّ الأزمات التي عصفت بالبلد منذ العام 2005 لم تبدّل في هذه القناعة، لا بل جاءت التطوّرات العربية هذه المرّة لتصبّ في خدمة هذه الصيغة وتساهم في إزالة العوامل المعطّلة لها. ومن هنا أهمّية صياغة مشروع وطنيّ يلاقي المتحوّل السوري بعيداً عن أيّ تسويات تمدّد الواقع الراهن.
فنجاح الثورة السورية يعني انتقال لبنان والمنطقة نحو مرحلة جديدة عنوانها تصدير التجربة اللبنانية، وهنا تحديداً تقع مسؤولية 14 آذار بمكوّنيها المسيحي والمسلم اللذين عليهما أن يقيما أوثق العلاقات والروابط مع الأنظمة الجديدة بغية حماية التنوّع داخل هذه المجتمعات الحديثة العهد في الديموقراطية. فالدور المأمول أن يلعبه هذا الفريق هو دور المرجعية على مستوى العالم العربي، أي المرجعية لكلّ الفئات التي تعتبر نفسها مغبونة وحقوقها مهدورة.
وتبعاً لذلك يمكن القول إنّ نظرية تحييد لبنان التي كان لها ظروفها الموضوعية ونشأت مع نشأته تحت عنوان "لا شرق ولا غرب" زالت مع زوال الثنائية الدولية وعودة القضية الفلسطينية إلى داخل فلسطين والاتّفاق على مفهوم موحّد للعروبة باعتبارها رابطة ثقافية والنهاية القريبة لمحور الممانعة، وبالتالي التمسّك بالتحييد بعد انتفاء العوامل الموجبة لا يخدم لبنان ولا القضية اللبنانية، بل ينعكس على شعوب المنطقة التي تعوّل على دور لبنانيّ اقتحاميّ إيجابيّاً وليس انكفائيّاً نتيجة عقَدٍ ماضوية.
فالعلاقة مع النظام السوري الجديد، على سبيل المثال، يجب أن تتجاوز مبدأ احترام سيادة كلّ من البلدين الذي يفترض أن يصبح تفصيلاً في المرحلة الجديدة، إلى التدخّل مع هذا النظام لتثبيت الحضور المسيحي وإشراكه في صناعة سوريا الجديدة. وأيّ شكوى مسيحية من غبنٍ على مستوى العالم العربي تُنقل إلى مسيحيّي 14 آذار الذين يعملون مع "المستقبل" على معالجتها، كما على تبديد الهواجس والمخاوف القائمة.
وإذا كان الدور الريادي للمسيحيّين اللبنانيين حوّلهم تلقائيّاً إلى مرجعية معنوية للمسيحيّين المشرقيين، فإنّ هذه المرجعية لا تستقيم بمعزل عن الشراكة المسيحية-الإسلامية في لبنان ودور تيار "المستقبل" تحديداً، أي تحوّل 14 آذار إلى ضمانة العيش المشترك في لبنان وعلى مستوى العالم العربي.
