يُدرك «حزب الله» بالتأكيد أنّ هناك كارثة مقبلة من بوابة السلاح الفلسطيني في لبنان. لكنّ المشكلة هي أنه غالباً ما يفضّل الهروب إلى الأمام.
حتى اليوم، بقيَ "الحزب" يتعاطى مع القوى الفلسطينية في المخيمات بشكل حذر. فهناك لجان ارتباط وتنسيق بين الأجهزة اللبنانية وبين هذه القوى. أما القوى الفلسطينية خارج المخيمات فلم تكن هناك مشكلة لـ "الحزب" معها، لأنّ الولاء السياسي للقوى المسيطرة على القواعد العسكرية في الناعمة والبقاع الغربي كان مضموناً لدمشق. وكان قادة "الجبهة الشعبية – القيادة العامة" يلوِّحون بتهديد السلطة اللبنانية، بتعليمات مباشرة من دمشق، كلما حاولت هذه السلطة أن تطرح مسألة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات.
لكن انقلاباً سياسياً تكتمل معالمه اليوم، ومن شأنه أن يقلب المعادلات في شكل خطر على الساحة اللبنانية أيضاً. فالقوى الفلسطينية المرتبطة بنظام الرئيس بشّار الأسد باتت في غالبيتها في المقلب المضاد. وحتى "الجبهة الشعبية – القيادة العامة" تخرج من الأسر السوري وتلتحق بـ"حماس" و"الجهاد" اللتين تحوّلتا إلى دعم الثورة السورية.
ولذلك، سيكون السلاح الفلسطيني خارج المخيمات، في المرحلة المقبلة، أكبر هاجس لـ "حزب الله"، بعدما كان السلاح داخل المخيمات تحت السيطرة والرقابة الدائمة. والأبرز هنا قاعدة الناعمة المحصنة بالأنفاق، والتي يتوقع المتابعون أن تشكّل خطراً لـ "الحزب" من زاويتين: الأولى لكونها على بوابة الضاحية ومطار بيروت، والثانية لكونها محاذية لمناطق سنّية يجري فيها بين الحين والآخر قطع طريق الجنوب. وإذا ما شاءت الظروف أن تُقطع الطريق، فإنّ "حزب الله" سيكون أمام مواجهة حسّاسة. ويخطئ مَن يستسهل معركة من هذا النوع، خصوصاً إذا ما كانت معطوفة عليها حركة مماثلة يقوم بها مثلث صيدا – عين الحلوة – إقليم الخروب.
إتفاقية القاهرة مُلغاة!
عندئذٍ ستكون السلطة اللبنانية أمام خيارات كلها صعبة. فالمواجهة ليست بينها وبين تنظيمات فلسطينية على طريقة "فتح الإسلام" في نهر البارد عام 2007، بل يختلط فيها العامل الفلسطيني بتنظيماته كلها وحركاته ومخيماته و"خارج مخيماته"، مع العامل المذهبي اللبناني. فكيف للسلطة أن تتصرّف لمنع كارثة من هذا النوع؟ فلا استعادة حرب نهر البارد هي الآن في وقتها، ولا النأي بالنفس عما يجري يمكن أن ينقذها من تحمّل مسؤولية العواقب.
أما في البقاع الغربي، فهناك مأزق آخر: قوسايا والحلوة والسلطان يعقوب وكفرزبد وينطا. هناك قواعد ساهمت دمشق على مدى عشرات السنين في ترسيخها وتدريب منظمات موالية لها هناك، فلسطينية ولبنانية وكردية سورية، للاستعمالات كافة ضد الغرب أو تركيا أو قوى عربية أو السلطة اللبنانية أو الخصوم في الداخل اللبناني. وهذه المواقع المدعمة ستتحوّل إلى أيدي تنظيمات معادية للنظام و"حزب الله".
وتقدِّر جهات أمنية حجم العناصر الفلسطينية المسلّحة خارج المخيمات بنحو 2000 عنصر، يضاف إليهم نحو 7000 داخل المخيمات، بين بيروت والجنوب والبقاع، والشمال حيث لم يبقَ سوى البداوي بعد حرب نهر البارد. وهذه الأرقام تقديرية لأنّ عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يقارب الـ350 ألف نسمة، وبين هؤلاء نسبة كبيرة من المنضوين في تنظيمات فلسطينية أو من الذين تلقوا تدريبات قتالية.
وفي ظل الانقلاب السياسي الفلسطيني ضدّ نظام الأسد، ومع نشوء تحالف بين الفلسطينيين والمعارضة السورية، والنزوح الذي قد يشتدّ في المرحلة المقبلة إلى لبنان، وعجز القوى الأمنية اللبنانية عن مواجهة هذا الوضع، من الواضح أن هناك كارثة آتية عاجلاً أم آجلاً.
ومواجهة هذه الكارثة تقتضي في الدرجة الأولى أن تتحرّك الحكومة لتنفيذ ما أقرّه المجلس النيابي في العام 1987، أي خلال ولاية الرئيس أمين الجميّل، من إلغاء لاتفاقية القاهرة العائدة إلى العام 1969. وإلاّ فالمسارعة إلى تنفيذ بند الحوار الذي يقرّ نزع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات ومعالجته في داخلها. وهذا التنفيذ لا يحتاج إلى عقد جلسة جديدة للحوار. والأفضل لـ "حزب الله" أن يسارع إلى العمل لتنفيذ البند المتعلق بالسلاح الفلسطيني على الأقل، بدلاً من إضاعة الوقت في التهرّب من مناقشة سلاحه الذي قد يصبح أيضاً عبئاً عليه في لحظة من لحظات الصراع الآتية، كما أصبح اليوم عبئاً عليه سلاح الفلسطينيين.
وحتى اليوم، كان الفلسطينيون يحرصون على حماية أمنهم الذاتي بسلاحهم، وعندما يطالبهم أحد بالتخلي عنه يواجهونه بمقايضة بين السلاح والحقوق المدنية والاجتماعية في لبنان. وسبق للأمين العام لـ "حزب الله" أن اعتبر دخول الجيش اللبناني إلى مخيم نهر البارد في العام 2007 خطاً أحمر. وجعل البعض من السلاح الفلسطيني جزءاً من ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة! فهل ما زال هذا الفريق عند موقفه؟ وإذا كان قد تخلّى عنه، مصلحياً، فكيف قرر الخروج منه؟