#dfp #adsense

أي حوار؟

حجم الخط

الأمر غريب فعلاً: إذا كان فريق 8 آذار مقيماً ومرتاحاً في مواقعه ومرابطاً عند مواقفه السياسية و"مقدّساته" الوضعية، لا يتزحزح ولا يتنحنح خطوة واحدة أو عطسة واحدة، فلماذا يستمر في الدقّ على وتر الحوار، والنقر على دفّ استئنافه، والانخراط على طريقته، في حفلة تمويه لم تعد تبلف أحداً؟

كأنّ الأمر طقسٌ عبادي لا يستطيع منتهجوه الخروج إلى الدنيا من دون ممارسته! أو كأنّ الأشكال التزويقية التجميلية يمكن لها بعد اليوم أن تغطّي المضمون البائس للبضاعة المعروضة. أو أن تجعل الناس ينكرون يقينهم ويبلفون حالهم، ويغدرون بملكات عقولهم، ويكذّبون ما يرون، ويشكّون في ما سطرته الأيام والتجارب الماضيات، وهو الذي لا يزال قائماً ومستمراً وتبدو أحواله طيّبة وروحه طويلة!

مرّة أخرى، تقول البديهيات البسيطة انّ الحوار خيرٌ في ذاته. وأفضل بمليون و999 ألف مرّة من الانقطاع والنبذ والسبّ والاحتراب. وأنّ الوظيفة الأولى له في الحالات الأهلية، هي إعادة ربط ما انقطع، وتلحيم ما انفكّ، وشدّ ما تراخى، وتدعيم ما تصدّع من أواصر وحبال وعُرى وأمراس، خصوصاً بين الناس الذين يعيشون ويموتون، ويشتغلون ويتبطلون، ويأكلون ويجوعون في مناخ كياني واحد هو مبدئياً وطن عام، وتفصيلياً طائفة من طوائفه!

لكن البديهة ذاتها تقول ايضاً إنّ النكث بالعهود أسوأ وأصعب من غياب تلك العهود. والغدر أمَرّ من الفِراق. واستصغار قيمة الخصم من خلال خداعه والتفلّت من الالتزامات والتفاهمات والاتفاقات المعقودة معه، أسوأ وألعن وأخطر من بقاء كل طرف في مكانه، حتى لو كان ذلك المكان خندقاً عسكرياً أو فكرياً أو سياسياً!

اللعبة صارت ممجوجة. وما عاد بالإمكان الاستمرار فيها طالما أنّها تخطت البيان لتصل إلى الأرواح، وتخطت السياسة لتصل إلى الدم. وطالما أنّ جحر الحوار لُدغ المؤمنون منه مرّة واثنتين وأربعاً وإلى آخر العدّ.. وفي كل مرّة كان الملدوغ يُطبّب حاله ويؤمّل نفسه ويعود ليمدّ يده.. ليعود ويُلدغ مجدداً!

ثم إنّ الدنيا واضحة رغم كثرة العتم: فليُنفذ بند واحد مما اتفق عليه سابقاً، منذ العام 2006 إلى الأمس القريب قبل أن تتم دعوة الجميع إلى تلك الوليمة السفرجلية مرّة أخرى! بند واحد!؟ إن كان ذلك الذي يتّصل بالمحكمة أو بترسيم الحدود أو بالسلاح الفلسطيني خارج المخيّمات.. أو بـ"إعلان بعبدا" أو بأي تفصيل يتّصل بمتفرّعات الأزمة الراهنة وأساساتها، وفي مقدمها "اتفاق الدوحة"، المدفون، أو نتائج الانتخابات النيابية الموءودة، أو الحكومة السابقة المغتالة غدراً..!

.. غرفة الحوار ديكورها خربان وبالٍ. ورغم النيّات الصادقات والكريمات لصاحب الدار والدعوة، فإنّ الجلوس وسط الخراب لا يمكن أن ينتج عمراناً.. الأمر لم يعد مسابقة في الإنشاء اللغوي، ولا مبارزة في العضلات الفكرية واليقينية والإيمانية للمتحاورين، بل صار شيئاً يشبه المصارعة الخبيثة: طرف متسّلح بيديه العاريتين، وطرف متسلّح بالكراسي… وليت الكراسي وحدها هي السلاح!

يعرف الجميع من دون استثناء أحد، أنّ الحوار صار أخطر من عدمه. وانّ أجندة السيطرة والسلبطة والفرض بالقوّة أو بالتلويح بها، صارت أكبر وأوضح من ضبّها أو ضبطها تحت ستار حواري لا يستر شيئاً. وبالتالي لا يحتاج الامتحان إلى أسئلة تعجيزية: مَن يريد الحوار للوصول إلى نتيجة يستطيع أن يقدّم مئة حجّة على نيّته الصافية.. لكن أين هي هذه، من حكومة الانقلاب إلى الاغتيالات إلى التهديدات إلى تناسي البنود السابقة المتفق عليها؟.. زهقنا!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل