ليس غريباً على سفير النظام السوري في لبنان علي عبد الكريم علي أن يصطنع بالأصالة عن نفسه، وبالنيابة عن ذهنية النظام السوري، موقع رئيس فرع الاستخبارات السورية في لبنان، على صورة ما كان يمارسه سلفه الطالح اللواء رستم غزالي، مع فارق كبير يعرفه السفير علي ويدركه كل اللبنانيين موالين للنظام السوري ومعارضين له، بأن زمن التهويل على اللبنانيين قد ولّى منذ العام 2005 وإن استمرت عمليات التصفية الجسدية عبر الاغتيالات والعبوات والتفجيرات التي لا يزال النظام السوري يبرع في توزيعها وتمريرها الى لبنان عبر سفراء التفجير ومرسليهم المطيعين.
لكن تمادي السفير علي في التطاول على وزير الشؤون الاجتماعية وائل أبو فاعور ومن خلاله على الوزارة وعلى مؤسسات الدولة وهيبتها، أمر يتعدى منطق التدخل في الشؤون اللبنانية، إلى منطق الرسائل السياسية والأمنية لما يمثله الوزير أبو فاعور من موقع سياسي وحزبي معروف، وقربه من رئيس جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط، الذي وإن نأى بنفسه وبحزبه عن الحدث الأمني والعسكري في سوريا لم ينأ في مواقفه الداعمة للثورة السورية وتأثير هذا الموقف على التحول الكبير الذي انسحب على شريحة كبيرة من أبناء جبل العرب في سوريا، ووقوفهم إلى جانب الثورة السورية واحتواء أخوتهم من النازحين السوريين في الداخل السوري، الأمر الذي أقلق بنية النظام، وليس مستبعداً أن يكون أمر عمليات سوري قد صدر وعمم من أعلى مرجعيات النظام، للرد على النائب جنبلاط، وتالياً التصويب على وزارة الشؤون التي أوضح أبو فاعور دورها ومهماتها خلال مؤتمره الصحافي الذي رد فيه على رسالة السفارة السورية عبر وزارة الخارجية اللبنانية، وعلى من زار السفارة السورية وحرض على دور وزارته التي تقوم بواجبها الإنساني والأخلاقي من دون أي تمييز بين نازح موال للنظام أو معارض له.
حالة الحصار الديبلوماسي التي يعيشها هذا السفير في بيروت، فتحت شهيته على حراك عبثي في شكله، لكنه مدروس ومقصود في محتواه ومضمونه، كونه أولاً لا ينفصل عن سياق محاولات النظام لزعزعة الأمن والاستقرار في لبنان، وتأجيج الصراعات الداخلية، وإشعال الفتنة، وثانياً في تحريك المياه الراكدة لسفير فاقد لشرعيته الديبلوماسية والشعبية والسياسية، على اعتبار أن استقبالاته العلنية ولقاءاته السرية مع جماعة سوريا في لبنان ومع رموز العهد البائد باتت ممجوجة وغير مجدية في إثارة الانتباه بأن هناك سفارة سورية في لبنان، باستثناء ما هو معلوم عن دور هذه السفارة في التخطيط للاغتيالات ورسم سيناريوات الفتن المتنقلة من منطقة إلى أخرى وتوزيع مهمات البؤر الإرهابية المسلحة للقيام بأدوارها الموكلة إليها في لبنان، إضافة إلى بعض الزيارات التي يقوم بها السفير علي لبعض أيتام النظام في لبنان.
ما من شك في أن تطاول هذا السفير على الوزير أبو فاعور ووزارته، كما تقول مصادر بقاعية، يأتي في سياق إثارة الغبار السياسي على الدور الذي تقوم به وزارة الشؤون الاجتماعية من الناحية الإنسانية والأخلاقية تجاه عشرات آلاف النازحين الذين هجرهم النظام السوري إلى لبنان هرباً من القصف والقتل والتدمير، الذي تمارسه آلة القتل بحق هذا الشعب، كون سياسة النأي بالنفس وفق مفهوم السفير علي، وتعليمات نظامه، ومن يقف وراءه ومن يحرّضه في الداخل، يجب أن تنسحب على الجانب الإنساني والاجتماعي والمعيشي، لأن المطلوب إذلال هؤلاء النازحين وقتلهم جوعاً بعد أن نجوا قنصاً أو قصفاً، وكون مفهوم الإرهاب عند علي ينطبق على كل خارج من الديار السورية.
هذا التحريض على وزير الشؤون ودور وزارته ينطلق من اعتبارات مرضية عند بعض المحرضين ضمن سياسة ذر الرماد في العيون، والحقد الدفين على الفعالية الانسانية والاجتماعية والسياسية للوزارة، كونها سياسياً في عهدة وزير معارض للنظام وينتمي إلى جبهة نيابية لها موقفها الواضح والصريح والمنحاز إلى جانب الثورة السورية، وليس على الحياد في ما يتعلق بمصلحة النازحين لا داخل الحكومة، ولا خارجها، الأمر الذي يجب ألا ينفصل عن مواقف الوزير أبو فاعور في جلسات مجلس الوزراء والسجالات الحادة التي وقعت مع بعض الوزراء الموالين للنظام السوري لا سيما في مقاربة الوضع السوري وانعكاساته على لبنان، بدءاً من مسألة الحدود اللبنانية – السورية وقضية عرسال والانتهاكات السورية، مروراً بأحداث الشمال وصولاً إلى قضية ميشال سماحة والعبوات التي حملها من سوريا إلى لبنان وليس انتهاء بعملية اغتيال اللواء الشهيد وسام الحسن، فضلاً على موضوع النازحين إلى لبنان والتقصير الرسمي الذي تحاول وزارة الشؤون أن ترفع بعض أثقاله عبر التنسيق والتكامل بين الوزارات المعنية والجهات المانحة والداعمة والمساعدة، من دون حاجة إلى رسائل هذا السفير المشفرة، وافتراءاته التي تتضمّن وفق بعض المصادر نيات خبيثة تجاه أبو فاعور ودوره، والتي يجب أن تؤخذ على محمل الجد، وبالتالي وضع حد رسمي لهذه التدخلات.
وفي هذا السياق ربط مرجع سياسي "هذا التدخل السافر لسفير النظام، بضرب هيبة الدولة وسلطتها ومهماتها في قضية إنسانية بحتة، ورسالة سياسية أمنية لفرملة حراك أبو فاعور ودوره البارز والحيوي في موضوع النازحين، وبالتالي انزعاج بعض القوى السياسية الموالية لسوريا من هذا الحراك ومدى تأثيره في الانتخابات النيابية المقبلة في منطقة معروفة بانحيازها إلى جانب الثورة السورية واحتوائها أيضاً عشرات الآلاف من النازحين السوريين في معظم قرى راشيا والبقاعين الغربي والأوسط".
ويرى المرجع أن "على وزارة الخارجية رفض مذكرات السفير علي وردعه وتوجيه إنذار شديد اللهجة له، لكي لا يتمادى في إقحام نفسه بما لا يعنيه"، داعياً إلى "ترحيله من لبنان، وإغلاق هذه السفارة التي باتت غرفة عمليات أمنية، معرباً عن خشيته من تمادي هذا السفير في انتهاك الدستور اللبناني والمواثيق والقوانين التي يجب أن تكون مصانة وبمنأى عن هكذا افتراءات مغرضة"، مقابل تنويهه بمواقف رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان إزاء هذه التدخلات مطالباً كل الحكومة باتخاذ الموقف عينه، ووقف هذيان هذا السفير الذي يحاول إقحام لبنان بالوحول السورية.
رسائل السفير السوري عبر وزارة الخارجية الموجهة إلى الوزير أبو فاعور أثارت موجة استياء عارمة من فعاليات ومرجعيات دينية وسياسية ورؤساء بلديات ومخاتير وناشطين في الحقل الاجتماعي والانساني، في قضاءي راشيا والبقاع الغربي، لوحظت خلال افتتاح الوزير أبو فاعور لدار المسنين وقاعة عامة في راشيا منذ أيام حيث أعربوا عن تضامنهم الكامل مع أبو فاعور ورفضهم "الحملة التي يشنها السفير علي باسم الرئيس السوري بشار الأسد المنزعج من مواقف الزعيم وليد جنبلاط" بحسب مرجعية دينية كانت مشاركة في اللقاء، إضافة إلى مواقف بارزة لفعاليات بقاعية اعتبرت أن "ما يقوم به السفير السوري معيب، ومن غير المسموح السكوت عن وقاحة هذا السفير وتماديه في التعرض لقامة وزارية مشهود لها بالحس الوطني والاجتماعي والإنساني".
وبانتظار الرد المنتظر من الوزير أبو فاعور على "سفير الرسائل الخبيثة" ينتظر اللبنانيون من هذه الحكومة أن تتخذ موقفاً شجاعاً وحاسماً وغير ملتبس من سفير علّق وظيفته كسفير دولة، وأباح لنفسه أن يمتطي جواداً "دونكيشوتياً" في زمن انهيار الأنظمة الظلامية التي فقدت قبضتها الاستخباراتية الحديدية، ودخلت في غيبوبة سياسية أو موت سريري لن تنفع صدمة المذكرات الغرائزية في إنعاشها.
