"بين قيام لبنان بواجباته الاخوية والانسانية في اغاثة النازحين السوريين، ومن ضمنهم النازحين الفلسطينيين، وبما يحفظ سيادته واستقراره وأمنه"، خرجت خطة اغاثة وحماية النازحين من سوريا الى لبنان الى النور.
وعلى تواضعها بنقاطها الست المصاغة بلغة المستقبل، عارضها ستة وزراء من فريق التيار العوني، وليس من حلفائه المسيحيين احد منهم باستثناء الوزير نقولا فتوش، بعد نقاشات وخلافات تمحورت حول خلفية سياسة الحكومة اللبنانية، وليس حول النقاط المقرة في حد ذاتها، لدرجة ان النقاش تحول الى جدل، وكاد يؤدي الى خروج بعض الوزراء العونيين من الجلسة، لولا الاجتماع التنسيقي الذي عقد في مكتب الوزير جبران باسيل الاربعاء، وأدى الى تفاهم على مخارج من النقاش بالنسبة لملف النازحين، لئلا يحدث اشتباك بين الحلفاء، في ضوء التباعد المعروف بين موقفي الحليفين "حزب الله" الذي يدافع عن ابقاء الحدود مفتوحة امام النازحين السوريين وبين "التيار الوطني الحر" الذي يطالب بقرار يوقف تدفق النازحين الى لبنان واجراء اتصالات تسمح له بترحيل بضعة آلاف منهم الى بلدان الجوار، بصرف النظر عن الحسابات الانسانية او الروابط التاريخية والعائلية بين البلدين.
ونظراً لحساسية الموقف ودقته، استبق الامين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله الجلسة الحكومية والتصويت الذي تخللها باعلان موقف علني على الهواء مباشرة، تولى التلفزيون الناطق بلسان التيار العوني O.T.V نقله الى جانب محطات تلفزة قوى "8 آذار"، وفيه "اننا في لبنان لا نستطيع بأي اعتبار اغلاق الحدود مع سوريا، مع تفهمنا للمخاطر السياسية والامنية والاقتصادية لهذا النزوح الكثيف"، معتبراً ان "الحل في معالجة سبب النزوح وايجاد تسوية لازمة سوريا وتوقف القتال والحرب الدائرة هناك".
ومهما يكن من امر، فإن الجلسة المخصصة لبحث ازمة النازحين السوريين المتشعبة والآخذة بالاتساع كشفت عورة العجز الرسمي ازاء تلك الازمة، التي يختلط فيها الانساني والاخلاقي بالامني والتسليحي والقدرة على الاستيعاب، فضلاً عن المالي، وما يمكن وصفه بالعجز الدبلوماسي ايضاً، نظراً للتباعد الحاصل بين لبنان الرسمي ودول الجوار، لا سيما الدول الخليجية.
يضاف الى كل هذا، ان الخطة التي جرى الخلاف عليها تتضمن ستة اقتراحات او اجراءات او طموحات قدمت في صيغة الانشاء مع العلم ان الوزراء الذين شاركوا بالاعتراض او بالتصويت يدركون قبل سواهم ان مقررات الخطة اما صعبة التنفيذ او بعيدة المنال، فماذا جرى في جلسة الست ساعات؟
وقائع ساخنة
بعد مداخلة قصيرة من الرئيس ميشال سليمان شدد فيها على مقاربة موضوعية لموضوع النازحين وتعاون من جميع الاطراف، وتأكيد من جانب الرئيس نجيب ميقاتي على ضرورة معالجة هذا الملف بروح المسؤولية الاخوية والانسانية وبمنطق الدولة، ثم عرض للتحرك الذي قام به واللجنة الوزارية المكلفة بهذا الامر خلال الفترة الماضية حول تأمين مصادر التمويل لاغاثة النازحين ووضع آليات معالجة اوضاعهم، واعقب ذلك عرض لجملة التحديات التي يفرضها موضوع النازحين على لبنان مع المسؤوليات الاقتصادية والامنية والتربوية والصحية وكيفية مقاربة هذه التحديات بما يؤمن ويضمن اغاثة وحماية النازحين، وبما يكفل سيادة امن واستقرار واقتصاد لبنان، على حد ما جاء في المقررات الرسمية.
لكن في واقع الأمر، أن النقاش الذي قارب الجدل، على حد وصف وزير الإعلام بالوكالة وائل أبو فاعور، أدى إلى انقسام الحكومة إلى فريقين:
فريق الرئيس ميقاتي، ومعه وزراء "جبهة النضال الوطني" الذين اعترفوا بأن هناك مشكلة آخذة بالاتساع والتزايد، وأنه يجب مواجهتها باتصالات مع الدول العربية والدول المانحة لناحية تأمين الأموال اللازمة والإعداد والتنظيم، والبحث عن وسائل لرفع هذه الأعباء عن لبنان، وإمكان تقاسمها على المستوى المالي أو بإمكان استيعاب أي أعداد.
وفريق وزراء عون، وفي مقدمهم الوزير جبران باسيل الذي شدد على أن لبنان لا يستطيع أن يبقي حدوده مفتوحة، في حين أن كل الدول المحيطة بسوريا قد أقفلت حدودها، بما في ذلك تركيا والأردن والعراق، وأن كل الدول تعدنا بمساهمات مالية، لكننا لم نلمس أي ترجمة عملية، مؤكداً أن الحكومة لا تستطيع أن تضع آلية لرعاية النازحين من دون وضع آلية لمعالجة هذه المشكلة التي تكبر كل يوم، لافتاً في هذا المجال الى أن قدرة لبنان محدودة وهو لا يستطيع تحملها لوحده وعلينا أن نقول كما قالت تركيا عندما تجاوز العدد قدرتها على الاستيعاب، على حد تعبير الوزير فادي عبود الذي غادر الجلسة قبل التصويت على المقررات.
أما وزراء حركة "أمل" و"حزب الله" فلم يجاروا وزراء عون بالمطالبة بإقفال الحدود، وشددوا على ضرورة متابعة الاتصالات مع الدول المانحة للمساعدة في حل هذه المشكلة، غير أن الوزير علي قانصو تناول مسائل أبعد تتعلق بضبط الحدود، والتخوف من احتمال تسلل المسلحين من خلال النازحين، وما يمكن أن ينجم عن تزايد أعداد النازحين من مشاكل أمنية، وعاضده في هذه الهواجس عدد آخر من الوزراء.
وعلم أن وزير الداخلية والبلديات مروان شربل طرح تصوراً أو مقترحاً لاستيعاب وضبط أوضاع النازحين، من خلال إقامة مخيمات أو مراكز تجمعات لهم في أكثر من منطقة لا سيما في البقاع والشمال، إلى جانب تشكيل خلية أزمة أمنية مع الجيش والقوى الأمنية الأخرى تضع وتنفذ خطة أمنية تتابع وترعى أوضاع النازحين.
إلا أن هذا الطرح أثار اعتراض معظم الوزراء، واعتبر الوزير باسيل أن هذه المخيمات قد تتحول إلى معسكرات تدريب لعناصر الثوار القادمين من سوريا، لافتاً إلى أن القضية ليست بالتمويل فقط، بل أيضاً في الإنعكاسات السياسية والأمنية والديموغرافية.
ووفق المعلومات فإن أحد الوزراء الشماليين تساءل: "لماذا لم تتم ملاحقة المسؤولين عن إلقاء المتفجرات في طرابلس أخيراً، لا سيما وقد تبين ان من بين هؤلاء سوريين".
وعلم أن وزير الخارجية عدنان منصور، وفي اطار النقاش اقترح معالجة التباين الحاصل بشأن الاتهامات السورية لوزارة الشؤون الاجتماعية عبر اتصال بين الدولة اللبنانية والدولة السورية، من دون أن يحدد على أي مستوى يجب أن يتم هذا التواصل.
وعلم أيضاً ان وزير التربية حسان دياب عرض لإرقام التلامذة السوريين الذي يدرسون في المدارس الرسمية اللبنانية، وان الرقم قد ارتفع أو تضاعف خلال الشهر الأخير، مع ما يرتبه ذلك من حاجات ومسؤوليات مادية وتربوية، في حين ان بعض الوزراء اقترح اجراء اتصالات بالدول العربية وطلب المساعدة في إيواء اللاجئين.
وبنهاية النقاش الطويل، تم الاتفاق على جملة اجراءات من أبرزها:
– حث الدول المانحة على تنفيذ الوعود المالية للدولة اللبنانية.
– القيام بحملة دبلوماسية على المستويين العربي والدولي تهدف إلى حث الدول العربية الشقيقة والدول الصديقة على تقاسم الاعباء مع الدولة اللبنانية سواء لجهة التمويل والأعداد لهذا النزوح.
– قيام الدولة اللبنانية بتسجيل النازحين الفعليين ضمن معايير تنطبق على طابع العلاقة اللبنانية – السورية بما يضمن اغاثة وحماية النازح الفعلي من سورياً وتأكيد مسؤولياتها بإدارة عملية الإغاثة والحماية ومتابعة شؤونهم على كل الصعد.
– دعوة الجامعة العربية والهيئات الدولية لاجتماعات طارئة لشرح واقع النزوح.
– تكليف وزير الداخلية والبلديات انشاء خلية أمنية مع الجيش وقوى الأمن الداخلي والزمن العام وأمن الدولة تضع وتنفذ خطة أمنية ترعى وتتابع أوضاع النازحين.
– تكليف وزير الاقتصاد والتجارة القيام بالاجراءات والتدابير التي ترفع الضغوطات الاقتصادية وتحد من التنافس غير المشروع وتحمي المستهلك تلافياً لأي استغلال اقتصادي غير محق.
– وقد اعترض الوزراء: سليم جريصاتي، جبران باسيل، غابي ليون، بانوس مانوجيان، فريج صابونجيان، فايز غصن، نقولا فتوش.
وأوضح باسيل ان الاعتراض جاء لأن الموقف المتخذ لا يرقى إلى مستوى المعالجة الجدية والمسؤولية لملف بهذه الخطورة.