كتبت فاطمة حوحو في "المستقبل":
حضر ملف النازحين السوريين امس، على طاولة مجلس الوزراء عبر مناقشة خطة الحكومة التي وضعها الوزراء المختصون وإقرارها، وقد حددوا بالارقام للدول المانحة الحاجات لمساعدة نحو مئتي الف نازح، وسط تجاذبات سياسية، واوامر توجيهية من سفير سوريا في لبنان علي عبد الكريم علي لفريق الثامن من آذار تقضي بالعرقلة تحت عنوان عدم السماح باحتضان الجماعات المتطرفة، بعد ان تهجم على وزير الشؤون الاجتماعية وائل ابو فاعور وارسل له مجموعة رسائل "تهديدات" بسبب اصراره على متابعة ملف النازحين وتقديم المساعدات الانسانية لهم وتوفير بيئة مناسبة لاحتضانهم.
"المستقبل" استطلعت بعض الآراء حول ازمة النازحين وسبل حلها بعد مطالبة البعض باقفال الحدود في وجههم بحجة انهم "عبء على لبنان"، وبعد اعتراف الحكومة اللبنانية بوجود نازحين على ارضها بضغط من هيئات المجتمع الدولي التي لم يستطع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي النأي بنفسه عنها.
عراجي: القوانين الدولية تحميهم أينما لجأوا
يركز عضو كتلة "المستقبل" النائب عاصم عراجي على ضرورة النظر الى قضية النازحين السوريين والفلسطينيين "من الناحية الانسانية، لا من الجانب السياسي الذي يسبب اخذاً ورداً دون طائل والتعاطي معها على اساس القوانين الدولية، التي لا تبيح النأي بالنفس عن مساعدتهم".
ولا يستغرب تصرفات سفير سوريا في لبنان علي عبد الكريم علي ومحاولاته المتكررة لمنع مساعدة النازحين تحت عناوين تتهمهم بالتطرف تارة وتصفهم "بأنهم مجرمون وقتلة ويضغط على حلفائه لترجمة مواقف نظام الاستبداد الذي يمثله"، ويقول: "نظام دمشق لا يسأل عن شعبه ويحرق الاخضر واليابس مما يدفع السوريين الى الهرب من القتل اليومي، ومن ابسط الامور ان تقوم الدولة اللبنانية بتوفير الحد الادنى من متطلبات العيش لهؤلاء النازحين لاسيما وان اعدادهم تزايدت اخيرا بشكل كبير مع بدء المعركة في دمشق".
ويشدد على ان "العائلات السورية التي هربت لم تأتِ بخاطرها بل جاءت مكرهة بعد تدمير منازلها هرباً من القتل، وهؤلاء بشر والقوانين الدولية تحميهم في اي بلد يلجأون إليه".
ويشيد بجهود وزير الشؤون الاجتماعية وائل ابو فاعور لوضع خطة لمساعدتهم، الا انه ينتقد "تأخر الحكومة في التوجه لمساعدة هؤلاء، مع ان الدول المانحة ابدت استعدادها منذ اللحظات الاولى لدخول النازحين الى لبنان لتقديم المساعدة".
ويلفت عراجي الى ضرورة "مراقبة الخطة بشكل يؤمن وصول المساعدات الدولية الى اصحابها وصرفها في المكان الذي يفترض ان تصرف فيه، وأن لا تكون الامور عشوائية وتذهب الاموال الى جيوب البعض".
ويؤكد انه "لو كان لدينا حكومة حقيقية لكان عليها طرد السفير السوري فوراً لأنه لا يحترم الحكومة ولا يحترم رئاسة الجمهورية، ولا يزال يعتقد انه يعيش في زمن رستم غزالي. لقد تجاوز الاعراف الديبلوماسية وهو يحاول الهجوم على الشعب السوري في لبنان".
ويشير عراجي الى "تكاثر اعداد النازحين الى لبنان في الفترة الاخيرة نتيجة تطور الاوضاع الامنية في دمشق"، ويقول "ان ذلك شكّل عبئاً اقتصادياً على لبنان نتيجة الطلب المتزايد على الامور المعيشية، لذلك فإن الحل لا يكون بالشكوى بل بوضع خطة حكومية من اجل رعايتهم".
موسى: "النأي بالنفس" ليس حقيقيا
ويوضح الناطق الإعلامي باسم تنسيقية اللاجئين السوريين في لبنان احمد موسى ان هناك تزايداً في اعداد النازحين السوريين الى لبنان بشكل دائم، وكمية المساعدات كانت في الاشهر الماضية هي ذاتها، اي انها لم تزدد مع تزايد اعداد النازحين، والامكانيات لنجدة النازحين الجدد كانت قليلة جداً، فالجمعيات التي تعمل لتقديم المساعدة لم تكن قادرة على تلبية الاحتياجات الانسانية اللازمة لإغاثة هؤلاء من المرض والجوع والبرد".
ويركز على ما سببه موسم الشتاء "من صعوبة اضافية للنازحين السوريين، اذ جرى تقديم بعض المساعدات لإعانتهم على تدفئة اماكن تواجدهم وقدموا أغطية وبطانيات، ولكن مع ذلك فان هناك عائلات تعيش من دون مساعدات كما ان هناك مشكلة في تأمين الخبز، اذ نقوم نحن كتنسيقية بتوزيع الخبز على النازحين لكن الافران لم تعد قادرة على تلبية حاجاتنا منذ نحو الاسبوعين".
ويؤكد ان "الاحداث الامنية التي يفتعلها نظام الاسد من حين الى آخر في لبنان تحصل بعد ان يكون الحديث عن قضية النازحين وضرورة مساعدتهم متأججاً، وهو يحاول بهذه الطريقة منع قضية النازحين السوريين من اخذ طريقها الى المعالجة الانسانية من قبل المسؤولين اللبنانيين".
ويحمّل موسى الحكومة اللبنانية مسؤولية كبيرة على "اهمالها قضية النازحين وتقصيرها تجاههم لاسيما انها لا تقبل المساعدات الخارجية ولا تعترف بوجود النازحين ولا تعمل لتصحيح أوضاعهم لا سيما اولئك الذين دخلوا بطرق غير شرعية بسبب الاوضاع الصعبة التي عاشوها في الداخل واضطروا الى الهرب عبر المعابر غير الشرعية، ولم يتم احصاؤهم من قبل الجهات الرسمية اللبنانية لنجدتهم ومساعدتهم على تسوية اوضاعهم وفق القوانين المرعية الاجراء".
ويلفت الى "تعرض بعض النازحين لعمليات توقيف على الحواجز باعتبار ان دخولهم غير شرعي وليس هناك طريقة لجعل دخولهم شرعياً، بالاضافة الى الاخوة الذين أصبح لهم فترة طويلة في لبنان ولم يحصلوا على اقامات، نحن نشكر جهود الوزير ابو فاعور فهو طيب وجيد ونواياه حسنة لكن بجهده الشخصي لا يستطيع تقديم ما يجب اذا لم يجر دعمه من قبل الحكومة وهذا ما لم نره حتى هذه اللحظة من قبل الحكومة، إضافة الى أن الحكومة لا تنسق مع تنسيقيات الثورة السورية الموجودة في لبنان، واذا كان نقاش قضية النازحين مطروحاً على الطاولة فمن المفترض من دولة الرئيس نجيب ميقاتي والحكومة مجتمعة ان تتخذ قراراً بتشكيل لجنة تجول ميدانياً على النازحين وتطلّع على اوضاعهم ومشكلاتهم وتلتقي بالاشخاص الذين يتابعون اوضاعهم بشكل مباشر لإطلاعهم على التفاصيل وكيفية المساعدة حتى تتضح خلفيات المشكلة تمهيداً لعلاجها".
كيف يمكن ان تستقيم علاقة الحكومة بالمعارضة السورية وهي تقف الى جانب النظام السوري؟ يجيب موسى: "نحن نقول ان الحكومة عندما تقول انها تنأى بنفسها عن الازمة السورية فيجب عليها ان تتعاطى مع المعارضة والنظام بالسوية نفسها، وما نشاهده اليوم يؤكد ان النأي بالنفس ليس حقيقياً وانا اوجه سؤالاً الى الحكومة التي نأت بنفسها سياسياً "متى تنأى انسانياً؟، اليوم هناك مساعدات تأتي للنازحين السوريين وهناك امكانيات لدخولها الى لبنان ولكن الحكومة اللبنانية تقف في وجه هذا الامر. نحن نطلب منها ان تتعاطى معنا في الجانب الانساني لأنه أمر في غاية الاهمية، وليس السياسي".
ويرد موسى على مطالبة السفير السوري قوى الثامن من آذار بعرقلة خطة الحكومة لمساعدة النازحين، مشيراً الى انه "كلما تصاعد الحديث عن الموضوع الانساني للنازحين السوريين اعلامياً، نرى ان نظام الاسد يفتعل حدثاً امنياً، وان لم يحصل هذا الحدث يجري الضغط من قبل سفير الاجرام والقتل لوقف الاهتمام. في المرة الماضية وبعد زيارة قام بها لرئيس الحكومة جرى توقيف تقديم المساعدات الصحية ودفع تكاليف معالجة الجرحى بعد تصريحات بهذا الاتجاه من قبل السفير وهذا الامر في غاية الخطورة ونحن نأسف لذلك، فهذا السفير لا يمثلنا بتاتاً لانه يضغط على الحكومة اللبنانية ونحن لا نقبل الا ان تكون العلاقات بيننا وبين لبنان مبنية على اسس متوازنة، نحن نقول ان الشعب اللبناني الشقيق يجب ان يتحلى بسيادته الكاملة ولا نقبل باي تجاوزات يمارسها هذا السفير".
ولا يقبل موسى بأي شكل الكلام عن ان "النازحين مجرمون وقتلة لأن النظام الذي دفعهم إلى النزوح هو المجرم والقاتل، وعندما يعالج موضوع النازحين وتحل مشكلات اقاماتهم يصبحون خاضعين للقانون اللبناني وعندئذ يتبين اذا كان في صفوفهم مجرمون او خارجون عن القانون وبذلك نفوّت الفرصة على السفير السوري او غيره، فالفراغ القانوني الحاصل تتحمله الحكومة اللبنانية وليس النازحون".
وعن موقف المنظمات الدولية التي تشترط على الحكومة اللبنانية مسائل معينة لمعرفة كيفية صرف هذه المساعدات يقول موسى: "نحن ننتظر من الحكومة اللبنانية تحمل مسؤولياتها ونحن خلال لقاءاتنا مع المنظمات الدولية نسمع انتقادات للحكومة اللبنانية على تقصيرها، الشعب اللبناني استضافنا ولا ننسى فضله وهذا الموقف كان متوقعاً، وغالبية الشعب اللبناني تتعامل مع النازحين السوريين بشكل رائع ونحن ننتظر اتصالاً من قبل الحكومة من اجل التنسيق لمعالجة قضية النازحين وهذه ستكون خطوة في الاتجاه الصحيح، ففي السابق لم تعترف الحكومة بوجود نازحين على اراضيها ويجب معالجة وضعهم".
ويلفت موسى الى ضرورة معالجة الملفات الامنية لبعض النازحين خصوصاً اننا نشهد منذ حوالى الشهرين ضغطاً على النازحين في هذا الجانب، يومياً يتم توقيف عدد من الشباب واحياناً يجري توقيفهم مدة اكبر مما هو مقرر قانونياً وقد طلبنا معالجة هذا الامر لانه يبعد الاضواء عن معالجة قضية النازحين".
منور: بين تقشّف "الأونروا" وإهمال الحكومة
عرف الفلسطينيون منذ ان شردوا من ارضهم وطردوا من منازلهم هجرات عدة، زادت الازمة السورية اخيراً عليها آلام هجرة اخرى من مخيم "اليرموك" بالقرب من دمشق، الى مخيمات لبنان التي تعاني ما تعانيه نتيجة سياسة القهر والبؤس التي يعيشونها في ظل سياسة التقشف التي تعتمدها "الاونروا" واهمال الحكومة لمطالبهم الانسانية لعيش كريم. النزوح الجديد للفلسطينيين من "اليرموك"، لم يكن الى منطقة واحدة في لبنان، فهم انتشروا شمالاً وبقاعاً وجنوباً وفي العاصمة، في محاولة للنجاة من الموت اليومي المترصد لهم نتيجة المعارك التي دارت رحاها في المخيم بين قوات الاسد والجيش السوري الحر والتي تخف ساعات ثم تتجدد لتترك حال التوتر قائمة، مع ان الكثيرين من الذين نزحوا عادوا لتفقد منازلهم ثم غادروها من جديد بعد اشتداد الاشتباكات.
ويشير عضو "مجموعة العمل لمتابعة قضية النازحين الفلسطينيين الى لبنان" هشام منور الى أن "عدد النازحين من مخيم اليرموك ودمشق ومناطق اخرى تشتد فيها المعارك داخل سوريا وصل الى 13 الف نازح"، كما يلفت الى "اشكالية كبيرة يواجهها هؤلاء تعود الى ان المفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الامم المتحدة لا تتعاطى معهم ولا تقدم لهم اي مساعدات او معونات على خلفية ان الاونروا هي المسؤولة عن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ولذلك لا يتابع احد امورهم، ويتعرضون لاهمال كبير من قبل المنظمات الدولية ومن قبل الحكومة اللبنانية ايضا التي تعتبر انهم خارج مسؤولياتها، وهذا مخالف للاتفاقيات التي وقعتها مع الامم المتحدة".
ويشير الى ان "المساعدة الوحيدة التي قدمتها الدولة اللبنانية لللنازحين الفلسطينيين هي عبر القرار الذي اتخذته بإعفاء هؤلاء من رسوم التأشيرة والاقامة لمدة شهر، ووعدت بايجاد حل لمشكلة فاقدي الاوراق الثبوتية عبر منحهم بطاقة اقامة مؤقتة تسهل حركة انتقالهم. وسمحت للفلسطينيين اللاجئين في سوريا الذين وفدوا الى لبنان خلال الاحداث الاخيرة والذين تخطت مدة اقامتهم المهلة القانونية الممنوحة لهم، بالعودة الى سوريا وتسوية اوضاعهم الادارية على المعابر الحدودية من دون اي رسوم او غرامات وقد تم اعفاؤهم اكثر من مرة".
ويؤكد ان "النازحين الفلسطينيين يدركون ان الاونروا مسؤولة عنهم لكن اداءها ضعيف وخدماتها قليلة نسبة الى الحاجات الكبيرة المفروض تأمينها في الحالات العادية فكيف بوجود اعداد جديدة من الفلسطينيين، لذلك نحاول حل المشكلة بشكل داخلي عبر تأمين مساعدات عبر الجمعيات الاهلية لهؤلاء الهاربين من الجحيم في سوريا".
ويقول منور "مشكلة هؤلاء النازحين معقدة نتيجة التشابك الكبير بين دور الاونروا ودور الحكومة اللبنانية، وغياب المفوضية السامية للاجئين، فالدولة اللبنانية تتكل على الاونروا وهي تعتبر نفسها في حل من تقديم اي خدمات والاونروا عاجزة".
تجاه هذا الوضع كيف يعيش النازحون الفلسطينيون اذاً؟، يوضح منور ان "الوضع المعيشي صعب جدا لدرجة انه حين حصل النزوح الكبير لحظة اشتعال معارك مخيم اليرموك نزح في اليوم نفسه اكثر من عشرة آلاف فلسطيني رجع سبعة آلاف منهم في اليوم ذاته، رغم الحالة الامنية الصعبة لعدم القدرة على تأمين مأوى لهم والبطانيات والاحتياجات الاساسية".
وعن متابعة هذا الموضوع مع الجانب اللبناني يقول ان "المتابعة تكون عبر الاتصال بالجهات المختصة لتأمين الاقامات لهؤلاء النازحين والحصول على الموافقات الامنية".
وعما قاله السفير السوري عن وجود جماعات متطرفة تدخل الى لبنان، يؤكد منور أن "كل الفلسطينيين الذين جاؤوا من سوريا لم يتوجهوا الى اماكن خاصة بهم شكلتها اي مجموعات سياسية، كل اللاجئين توجهوا الى اقاربهم في لبنان وتقاسموا الخبز والمأوى معهم، اي لا يوجد اي احتضان لهم من قبل اي جماعات".
ويختم: "ان الاتصالات قائمة ومتواصلة مع وزير الشؤون الاجتماعية وائل ابو فاعور الذي يتابع ملف النازحين، وقد طرحت فكرة اقامة مخيمات لإيوائهم لكنها لم تكن عملية، كما طرحت مسألة ضرورة تسهيل اقامة النازحين وتقديم المساعدات لهم والدعم الرمزي للمخيمات، اذ ان عدد النازحين الفلسطينيين قليل نسبة الى اعداد النازحين السوريين التي فاقت الـ 170 الف نازح".