العنوان بالتأكيد يبدو بعيد الطموح وربما الادعاء، لكن وضع الاقتصاد والمجتمع والبيئة في لبنان يحتاج الى عملية انقاذية جدية وجهود مضنية وبرامج عملية.
لبنان يضج بالكفايات والمعطيات والنشاطات الفنية والثقافية والمسرحية، ومع كل ذلك، وعلى رغم كل ذلك، لا يشعر اللبناني بان البلد يسير الى الامام، وان فرص العمل والاكتساب على توسع، وان نوعية الحياة المتاحة واعدة.
أمام هذا الواقع الاليم والمحزن، لانه واقع يغتال آمال الشباب ويسبغ مرارة على توقعات المسنين، لا بد من البحث عن مساع لاختراق الوضع المتردي وتحويله وضعاً واعداً، وهذا المقال مع بداية العام الجديد يطرح صورة مبادرات مطلوبة، وهي ليست كل المبادرات المرجوة بل البعض منها مما قد يساعد على بعث الامل في تحسن آفاق المستقبل.
على مستوى الاقتصاد الكلي نشكو من المؤشرات الآتية:
– استمرار عجز الموازنة وتخصيص نسبة ملحوظة من العجز لاهداف تساهم في تعميق الهدر وليس تحسين قواعد الانتاج.
– توالى عجز ميزان المدفوعات سنتين، الامر الذي ينذر بارتفاع أسعار الفائدة للاستدانة العامة كما لتسهيلات المواطنين، وكلا الامرين يدفع الاقتصاد نحو الانزلاق الى مرحلة الكساد ونحن بالتأكيد نعاني الانكماش.
– انخفاض معدلات النمو من 7 و8 في المئة حتى عام 2010 الى 1، ومن ثم 1,5، واخيراً 1 في المئة خلال الاعوام 2011، 2012، 2013 (استناداً الى التوقعات) وهذه المعدلات أدنى من معدلات زيادة عدد السكان الامر الذي يعني انخفاض معدل الدخل الفردي، وتالياً القدرة على الادخار والاستثمار.
– مواجهة اللبناني، والعائلات اللبنانية، ضريبة تقاعس القطاع العام عن مواكبة الحاجات الاساسية سواء للانتاج أو الحفاظ على مستوى معيشة حضاري. فالكهرباء غير متوافرة باستمرار، والعائلات تدفع اشتراكات لمولدات خاصة تفوق فوائد مؤسسة كهرباء لبنان، ناهيك بالتلوث المرافق لتشغيل المولدات التي توفر نصف الطاقة المستهلكة حالياً. والامر ينسحب على امدادات المياه غير المتوافرة بالكميات والنظافة المطلوبة، ويضاف الى ذلك تردي أوضاع الطرق وازدحام السير بحيث يخسر اللبنانيون 15 في المئة من ساعات العمل المطلوبة نتيجة الازدحام، كما يرتفع استهلاك سياراتهم للوقود وتقديرنا ان هذه الخسارة وحدها تتآكل نسبة 6 في المئة من الدخل القومي.
– منذ اوائل التسعينات صارت مواكبة التطورات التقنية، ولا سيما منها خدمات الاتصالات والتفاعل بين المواطنين وتبادل المعلومات المالية والاقتصادية والعلمية، من أسس النجاح. وفي حين كان لبنان الدولة الاولى تدخل خدمات الهاتف الخليوي عام 1994، والدولة الشرق الاوسطية الاولى تستقطب اقتراحات تطوير خدمات الانترنت، والتواصل والتفاعل، صارت اليوم آخر الدول في مضمار الاتصالات، وأبعد دول المنطقة عن توفير هذه الخدمات بشكل تشجيعي، وهذا ما فعلته وحققت من ورائه الكثير دبي، كما قبرص.
– تقاعسنا عن مواكبة التطورات التقنية في مجالات الاتصالات والاسواق المالية، والخدمات الصحية الاستشفائية والتعليمية، أبعد عنا استقطاب الاستثمار، وأبعد عنا رغبة الاشقاء العرب في الاقامة في لبنان وتملك الشقق والفيلات للاقامة صيفاً وشتاء، واصبح تموضعنا السياسي بمثابة لوحة تخويف للمواطنين العرب.
اضافة الى القضايا الرئيسية المعددة والتي تتآكل موارد اللبنانيين وتثقل توقعاتهم، هنالك مشاكل تردي البيئة، وارتفاع نسبة التلوث، وارتفاع تكاليف العنايات الطبية الموثوق بها، كما تكاليف أقساط المدارس الخاصة والجامعات الخاصة المتميزة.
من أين نبدأ مساعي النهوض؟ وهل في الامكان تجاوز ما نحن عليه من تقهقر؟
الجواب عن السؤال الثاني، هو بالتأكيد اننا نستطيع ان نحقق انتفاضة انمائية مجتمعية. فهذا البلد الذي يقيم فيه من أهله اربعة ملايين لبناني ولبنانية، لديه من الطاقات البشرية والمعطيات الطبيعية (الطقس، الغابات والمياه) ما يسمح له بان يحقق مستويات متقدمة على صعيد الاقتصاد، والعلم، والبيئة، والصحة.
بداية المطلوب ابعاد الدولة عن التحكم بمفاصل الاقتصاد الرئيسية، السبب الاساس لتردي أوضاع الاقتصاد. إن حرب السنوات 16 (1975 – 1991) القت بالكثير من المؤسسات في ايدي القطاع العام، ومن أهم هذه المؤسسات، مصلحة كهرباء لبنان، شركة استثمار المرفأ، شركة طيران الشرق الاوسط، وبصورة غير مباشرة كازينو لبنان، وعدد كبير من امتيازات توفير المياه باتت عاجزة عن دورها أو مقيدة بقوانين واجراءات بالية.
باختصار، صارت الدولة بموازنتها، وضرائبها، ورسومها وخدماتها مع المؤسسات التابعة لها والتي تشمل جميع المؤسسات المشار اليها، اضافة الى مصرف لبنان، والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، ونحو 60 مؤسسة عامة، المحرك أو المجمد لـ50 في المئة من حجم الاقتصاد الوطني. وحيث ان الادارة الحكومية مهترئة، وفي جوانب منها فاسدة ومكرسة للهدر المقونن، لا يمكن لبنان ان يتجاوز محنته الا عن سبيل اختصار دور القطاع العام في حياتنا.
نقطة البداية اقرار قانون للمشاركة بين القطاعين العام والخاص في تأمين خدمات رئيسية أساسية لنجاح المواطنين، وقدرتهم على المنافسة، وتوقعهم القدرة على استمرار التطور. و هذه المشاركة يفضل ان تكون الحصة الكبرى فيها في يد القطاع الخاص، وبصورة خاصة المسؤوليات الادارية.
ونطاق التخصيص يجب ان يحقق مدى السنوات الخمس المقبلة، على الاقل الامور الآتية:
– تجهيز لبنان بمحطات كهربائية بطاقة لا تقل عن 2400 ميغاوات ويستحسن ان تبلغ 3000 ميغاوات، تعمل على الغاز الطبيعي، وانجاز اتفاقات لاستيراد الغاز المسيل، وتحويله غازاً لاستعمال المحطات المنوي انجازها، كما معامل الاسمنت والبتروكيماويات، والمشروع لا يكتمل إلاّ بانجاز خط لايصال الغاز المستورد من الشمال الى الجنوب. وهذه الخطوات اساسية وضرورية لاختصار عجز الكهرباء البالغ ملياري دولار سنويا، وتكاليف الكهرباء الاضافية للمواطنين البالغة 1,5 مليار دولار سنوياً.
ان انجاز هذه الخطوات يحتاج الى 30 شهراً على الاكثر في حال تحسس المسؤولين لضخامة مسؤولية انقاذ اقتصاد لبنان وأمل أهله في المستقبل.
– اعطاء مشكلة السير وايواء السيارات، واختصار تكاليف الانتقال، وتشغيل القطارات الكهربائية، في بيروت كما في جنيف، أولوية ملحة تساعد على اكتساب أوقات العمل والمحافظة على اعصاب الناس.
– استغلال واستثمار الموارد المالية الكافية وغير المستغلة، ومن هذه احتياط بلدية بيروت الذي تجاوز 800 مليون دولار، والذي تبلغ فوائده سنويا اكثر من التكاليف الدورية للبلدية. وبذلك يترفع هذا الفائض سنة بعد سنة، والبلدية لا تنفذ مشاريع تحسين خدمات البنية التحتية، وتسهل انتقال المواطنين في مختلف انحاء المدينة، ناهيك بالارصفة والطرق التي يدفع لصيانتها المواطنون رسوماً وضرائب، وهم بالكاد يستطيعون السير على رصيف يمتد 100 متر دون تعديات على الرصيف سواء من السيارات، أو الاشجار المغروسة بحيث تجبر المشاة على النزول عن الارصفة الى الشوارع ولمسافات قد تنتج منها اخطار.
ماذا يمنع بلدية بيروت التي انقضى على انتخاب اعضائها نصف السنوات الست تقريباً من تحقيق مشاريع ترفيع البنية التحتية، أو انشاء حدائق عامة، بدل منع الاستفادة من حديقة موجودة وانجزها الفرنسيون. وماذا يمنع البلدية من تحسين الطرق واستثمار العقارات المحيطة بالحوض الاول؟ ماذا يمنع هذه المرجعية الاساسية لحياة نصف اللبنانيين من ملاقاة آمال سكان بيروت.
التفسير بعدم التوافق بين المحافظ والمجلس البلدي لا يكفي ولا يبرر، مليونا لبناني ينتظرون انجاز مسلخ حديث وطرق أسلم، واضاءة أفعل، وحراسة حقيقية، وصيانة للمجارير، وأرصفة، وساحات عامة، والمجلس البلدي والمحافظ على خلاف، ولو كان ذلك على حساب حاجات مليوني لبناني وتوقعاتهم.
استثمار طاقات لبنان واللبنانيين لا يزال بدائياً حتى تاريخه ومعالجات الشأن العام تصبح شخصانية وفي غالب الاحيان مذهبية. ولا حاجة الى القول ان هذه الصفات أو الفورات اذا استمرت لن تسمح بتطور لبنان، لكن الزمن لن يسمح للاداريين المتكاسلين، أو الفاسدين، باقفال منافذ الامل للبنانيين.