#adsense

صدمة!

حجم الخط

"الصدمة" التي أصابت الدوائر المعنية في الأمم المتحدة إزاء وصول العدد الموثّق للقتلى السوريين إلى ستين ألفاً، تليق بكل الناس إلاّ بمَن أعلنها.

الأمم المتحدة، في بداية الأمر ونهايته، ليست جمعية خيرية ولا منظمة تُعنى بشؤون تنمية الريف وتحسين النسل, ولا تجمعاً لأصحاب الحسّ المرهف أو ائتلافاً لأهل الفن والأدب. كما أنّها ليست، على ما يُظَن، كلية معنية بتدريس وتعليم إتيكيت السلوك في اجتماع مديني مدني… وبالتالي يجوز الافتراض أنّ عوارض الصدمة لا تليق بها بقدر لياقتها بالقياسات الآنفة الذكر والتي تعبّر عن موقفها ذاك وتذيعه باعتباره مُعطى ضميرياً وباعتبار أنّ لا شيء آخر تستطيع أن تفعله غير التأسّي والتفجُّع والندب ونتف الشعر إزاء مذبحة تجرى على الهواء مباشرة ويراها الناس من أول المعمورة إلى آخرها.

الأمم المتحدة غير ذلك كله. والأخلاق فيها، جانب من جوانب صناعة قراراتها، وليست أساسه. والشعر في بياناتها ضحل ومحدود الاستخدام والتأثير. ووظيفتها العامة، كما يفهمها العامّة، تختلف كثيراً عن وظيفة جمعيّات دفن الموتى، وهي مبدئياً وتفصيلياً ونظرياً وعملياً، تشتغل ولا تتفرّج، وأوّل شغلها مواجهة الإجرام الإبادي، والعمل لوقفه ومعاقبة مرتكبيه من خلال قرارات تتخذها "حكومتها" التنفيذية المعروفة باسمها الفني… مجلس الأمن!

طبعاً، ليس جديداً الحكي عن "عجز" المنظمة الدولية عن وضع حدود حاسمة للطغيان أو ردّ الحقوق إلى أصحابها، أو التدخّل المباشر لمنع حروب بين دول أو داخل دول، فذلك أكبر من طبيعتها ودورها وتركيبتها المحكومة بإرادة أعضائها المقرّرين الذين إذا شاؤوا شاءت وإذا امتنعوا امتنعت وإذا أقبلوا أقبلت وإذا أدبروا أدبرت… لكن حضورها "السوري" في موضع غيابها يبدو مثل قصاص لئيم يلحق بالضحيّة فوق كونها ضحيّة!

هي بمعنى ما، التعبير الأدقّ والأبرز عن النكوص الدولي إزاء الجرائم التي ترتكبها السلطة الأسدية بحق السوريين والإنسانية في الإجمال. وتلخيص مكثف لجملة المواقف المستكينة بخبث طافح حيال تلك المذبحة المفتوحة، وعنوان فضفاض لفضيحة التفرُّج في مطلع القرن الحادي والعشرين على فظائع تعود إلى "أدبيّات" القرون الوسطى… بعد أن كان الظنّ قبل ذلك، أنّ آليات العصر غلاّبة والأضواء الكاشفة فضّاحة، وأنّ المناخ الذي تلا انتهاء الحرب الباردة وحروب يوغوسلافيا بعد تفكّكها، يمنع حُكماً كل استطراد وإمعان وإيغال في اعتماد القتل العام والمذابح الفاتكة بالمدنيين كسبيل لا ثاني له، للاحتفاظ بالسلطة أو للوصول إليها، أو لفضّ نزاع أهلي أو دولي، غير أنّ المثال الأسدي يقدّم حجّة مضادّة ومعاكسة لكل ذلك حتى الآن.

كان أفضل لو لم تصدم الأمم المتحدة السوريين بصدمتها… كادوا أن ينسوا أنّ هناك منظمة دولية أو رأياً عاماً دولياً، أو أي شيء آخر يمكن أن "ينتبه" إلى موتهم ويصدم الجلاّد مرّة واحدة وإلى الأبد!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل