#adsense

خطاب السيد ..وفرضيات “لو” وأخواتها

حجم الخط

في كل مرة يطل الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله، ينقسم اللبنانيون بين فريق متحمّس ومتأهب لسماع ما سيقوله ولكل جملة، بل لكل كلمة سينطق بها، وفريق آخر يقبض على أنفاسه وينقبض قلبه خوفاً مما ستحمله كلمات السيد من مفاجآت أو تحدٍ لمشاعره ومفاهيمه المؤمن بها. غير أن السيد لم ينجح كثيراً، إن جاز التعبير، هذه المرة، كما في المرات السابقات، إذ بدا أن المنطق الذي طالما اشتهر به، خانه، فظهر متردداً وكلماته لم يكن لها الوقع المأمول.

في الوقت الذي توقع الكثيرون أن يتطرق السيد في خطابه أمس إلى مسألة الحوار، والحكومة، والخلاف القائم بشأنها والذي هو السبب المباشر في تعطيل انعقاد طاولة الحوار، إذا بسيد المقاومة يكرر مديحه المألوف، والمتوقع بجميع الأحوال، لحكومته، التي كان لها الفضل "بمنع انتقال القتال إلى الساحة اللبنانية". إلى هذا الحد، كان يمكن الدخول في نقاش سياسي جدّي ومعمّق حول الأسباب التي حالت، والحمد لله، إلى الآن، دون انتقال الفتنة التي يجهد نظام الممانعة المزعومة في سوريا إلى نقلها إلى لبنان، على الرغم من المناوشات التي قامت وتقوم في شمال البلاد عند كل احتدام للمعارك في دمشق، أو توسّع ميداني تحققه قوات المعارضة السورية بوجه نظام الرئيس الأسد.

ولكن أن يتابع السيد ويقول "ولو كان الفريق الآخر في سدة الحكومة، لكان ورّط لبنان ليس بقتال داخلي بل بقتال مع سوريا ايضاً"، فهذه مسألة يجب التوقف عندها بكثير من الدقة، بل مواجهتها أيضاً بالحجة والقرائن التي تنفي جملة وتفصيلاً هذا الاتهام، المبني أصلاً على فرضية غير منطقية.

الفريق الآخر الذي اتهمه السيد، كان في سدة الحكم، وهو وصل إليها إثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري واستمر متولياً لها فترة ست سنوات، وكانت لديه في مطلق الأحوال، جميع الأسباب الموجبة التي كانت تبيح له شنّ أعتى الحملات السياسية ضد النظام المتهم باغتيال رمز من رموزه ورموز لبنان، وذلك كان ليشعل الحرب مع سوريا من دون أدنى شك، لكنه لم يفعل. لماذا؟ لأن ذلك ليس من "طبيعة تركيبة" هذا الفريق. فهو أصلاً مؤمن وعن قناعة تامة بوجوب قيام أفضل العلاقات وأمتنها مع النظام الأقرب إلى لبنان، جغرافياً، ومع الشعب الذي يتقاسم وإياه تاريخاً طويلاً من العلاقات الأخوية والعائلية، بل وحتى تاريخاً مشتركاً من القمع الذي عاناه نتيجة حكم نظام القهر والطغيان في دمشق طيلة السنوات الأربعين الماضية.

وذهب هذا الفريق إلى ابعد من ذلك، إذ اعتبر أن المصلحة الوطنية العليا للبنان تقتضي فعلاً وليس قولاً، تمتين هذه العلاقات، فتعالى رئيس حكومة لبنان سعد الحريري على الجراح، وذهب إلى دمشق في محاولة لطي صفحة سوداء من ماضي العلاقات السيئة وبناء ما يمكن التأسيس عليه فعلياً لمستقبل أفضل للبنان وسوريا على السواء. فهل هذا "الفريق الآخر" هو الذي كان سيورّط لبنان في حرب مع سوريا؟ منطق بعيد جداً عن الاستيعاب.

ألا يمكن القول رداً على ذلك إن تورّط "حزب الله" المباشر في الأحداث الجارية في سوريا، وتأييده المطلق للنظام بوجه الشعب السوري، هو ما يمكن أن يورّط لبنان في حرب مع سوريا؟ على افتراض أن التسوية السياسية التي يشير إليها السيد نصرالله كمخرج وحيد من الأزمة في سوريا، قضت برحيل نظام الأسد وتولي الشعب مقاليد السلطة، ألن يكون لموقف "حزب الله" من الحرب الدائرة في بلاد الشام تأثير على السلطة الجديدة في دمشق، وبالتالي قد تقرر هذه السلطة الانتقام من "حزب الله" اللبناني الذي وقف ضدها أثناء الثورة؟ الن يكون ذلك توريطاً للبنان في حرب مع سوريا؟

لم تكن المرة الأولى التي يستخدم فيها السيد نصرالله في خطاباته احتمالات فرضية، فهو صاحب الفرضية الأشهر عقب حرب تموز 2006 حين قال: "لو كنت أعلم". وها هو يكرر مرة جديدة فرضياته، وما أكثرها: "لو كان الفريق الآخر في السلطة".

أما الموضوع الأكثر إثارة للجدل، باعتراف السيد نفسه، هو موضوع السلاح الذي يشكل هاجساً ليس للبنانيين في الداخل فحسب، بل حتى للبنانيين في بلاد الاغتراب الذين يترددون في العودة إلى لبنان بسبب هيمنة هذا السلاح على مقدرات الحياة اليومية للمواطنين. "لو" أن السلاح المزعوم ظل موجهاً إلى العدو الإسرائيلي، لما كان لدى اللبنانيين أي اعتراض عليه، لا بل قد يجوز القول إنهم كانوا دافعوا عنه في اسوأ الأحوال، لأنه دافع عن "سيادتهم واستقلالهم" وحرر لهم الجزء الكبير من أرضهم المحتلة. لكن بعدما استدار هذا السلاح إلى الداخل، اصبح هاجساً يؤرق عيش اللبنانيين وأفقدهم الثقة بكل ما يمكن أن يصدر عن أصحابه كتبريرات لاستمرار وجوده.

يريد السيد نصرالله أن يقوم هذا السلاح بواجب الدفاع عن مصالح لبنان النفطية والغازية في مياهه الإقليمية، وهذا أمر مفهوم، لكنه في الوقت نفسه موضع الخلاف. لا يقبل أي من اللبنانيين حتى مجرد أن يفكّر العدو الصهيوني بمحاولة سلبهم حقهم الوطني من ثروتهم الطبيعية، ومن اقل الواجب أن يدافعوا عنها حتى الرمق الأخير. لكن هذه مهمة واضحة المعالم وصاحب الشأن فيها معروف ومعلوم: الدولة اللبنانية التي لا سلطة تعلو فوق سلطتها. لماذا لا يقبل "حزب الله" بمجرد طرح فكرة أن يكون سلاحه تحت أمرة الدولة اللبنانية؟ أليست هذه المعضلة هي الأساس في طاولة الحوار التي يشدد السيد نصرالله على التمسّك بها؟ اللبنانيون يقدرون سلاح "حزب الله" عندما يصبح سلاح الجيش اللبناني، وهم سيقدرونه أكثر عندما يستخدم للدفاع عن مصالح لبنان واللبنانيين. لكن هذه المسألة التي كانت وستبقى موضع نقاش، هي ما يجب على "حزب الله" وضعها في أدبيات فرضياته والتساؤل؟ أين المشكلة "لو" كان سلاحنا في تصرّف الجيش؟

أن يستمر السيد حسن نصرالله في طرح المواضيع السياسة على قاعدة "ماذا" و"لو"، تفترض منه حكماً، القبول بأن يجيب عن الأسئلة نفسها، وهو ما لم يفعله حتى اليوم.
ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل