
مخيم النازحين السوريين في بلدة المرج البقاعية(النهار)
كتبت صحيفة "النهار":
"خطة الحكومة في مواجهة ازمة النازحين" كانت على مشرحة مجموعة من الباحثين المهتمين بمتابعة ملفات انتهاكات حقوق الانسان في لبنان، والنتيجة استناداً الى الخبراء ان الخطة ليست الا عنواناً عريضاً لن يجدي في التعامل مع قضية النازحين السوريين الى لبنان والذين يتوقع ان ينضم اليهم حوالى 300 الف ليصل عددهم الى نصف مليون واكثر ربما الى حين انتهاء الحرب الاهلية في سوريا. ورأى الخبراء ومن بينهم بعض من شاركوا في تغطية ازمات النازحين في البلقان والعراق ان الحل العلمي والافضل والافعل هو اعتماد مخيمات محددة المعالم للنازحين اسوة بما جرى في حالات مماثلة وبما يجري حالياً في تركيا والعراق والاردن مع النازحين السوريين، وذلك لاسباب كثيرة ليس اقلها تمييز النازحين من السورين عن المقيمين في لبنان وما الى ذلك من امور غفلت عنها الخطة التي وصفها احد الخبراء بأنها "ساذجة".
الملاحظات الاولى تبدأ من اعداد النازحين الذي اشارت الخطة الى ان المسجلين منهم 150 الفاً ونيف في حين ان تقرير الامم المتحدة اشار حرفياً الى وجود 170637 نازحاً، والسؤال اين ذهبت الحكومة اللبنانية بهذا الفارق؟ وفي اللمحة العامة للخطة تغييب اي اشارة الى اللاجئين الفلسطينيين النازحين الى لبنان ولا الى اعدادهم وآلية مراقبة وجودهم في لبنان وعدم ضمان ادراجهم على لوائح اللاجئين المسجلين في لبنان. وفي تعليق على عبارة "معاناة الاسر اللبنانية الفقيرة التي تستضيف النازحين السوريين" ورأى الخبراء ان لا معيار لتحديد هذه العائلات ولا آلية بل ان ادراج هذه العائلات وربطها بالموضوع يعنيان استخداما سياسياً غير واضح المعالم للاموال المخصصة للنازحين، مع ما يعني ذلك من محسوبيات واهدار وفوضى، ومن يضمن عدم تحول هذا المال الى مال سياسي؟
اما الملاحظة الابرز فتتركز على تشكيل اللجنة الوزارية المشتركة وتسليم ادارتها الى وزارة الشؤون الاجتماعية لتأمين الخدمات من خلال مؤسساتها، مع ما يطرحه ذلك من علامات استفهام حول الخطط المقترحة مثل محور "تأمين الدعم النفسي والاجتماعي للنازحين" الى بنود اخرى مثيرة للجدل على غرار: "الايواء وادارة المياه"، و"تطوير قدرات العاملين الميدانيين". وفي رأي الخبراء ان جميع هذه النقاط غير متاحة عملانياً في الاوضاع الطارئة التي يواجهها لبنان حالياً، وكان الاصح الاعداد اللازم لاستقبال النازحين منذ ان بدأت الازمة السورية قبل سنتين وليس بدء الاستعدادات اليوم وسط الظروف الضاغطة. وثمة مسألة اخرى لا تقل اهمية في الخطة هي تخصيص اموال لوزراة الشؤون "لأقتراح مشاريع تنمية محلية" والرأي ايضاً ان لا علاقة بين التنمية المحلية للارياف اللبنانية ومهام مساعدة النازحين واعانتهم، علماً ان مشاريع التنمية المحلية هي مشاريع طويلة الاجل ومحدودة الاثر والفاعلية ولا يمكن ان تلبي حاجات الاهالي الطارئة.
وثمة محور آخر يتمثل في الاموال التي خصصتها الخطة لوزارة التربية للتعامل مع 25 الف تلميذ وطالب سوري بكلفة 17 مليون دولار، تخصصها الخطة لتقوية الطلاب السوريين في الوقت الذي لا يسري الامر نفسه على الطلاب اللبنانيين، او مثل فتح صفوف حضانة مع ما تحتاج اليه هذه الصفوف من اساتذة ومربين وحاضنات وصولاً الى طرح الخطة اعادة تأهيل الابنية المدرسية والتدريب على بناء كادرات تعليمية وكل هذه الامور تحتاج الى مراحل تدريب طويلة وسنين من العمل فكيف يمكن ان تتناسب مع خطة طوارئ!
المحور الثالث موضوع التساؤل يتمثل في تخصيص مبلغ 75 مليون دولار لوزارة الصحة، ومبعث حيرة الخبراء وتساؤلاتهم انه كيف يمكن للحكومة اللبنانية ان تميز بين عشرات الالاف من العمال السوريين المقيمين في لبنان واخوانهم النازحين، وما هي الآلية التي ستعتمدها المستشفيات الحكومية والخاصة للتمييز بين العامل والنازح. ويشير احد الخبراء الى ان احدى الجهات الالمانية المانحة عرضت بناء مستشفى ميداني للنازحين لكن الحكومة اللبنانية رفضت الامر بعدما اشترط الجانب الالماني ان يتولى فريق الماني ادارته خوفاً من الفساد و"الشبيحة" في الادارة اللبنانية.
لكن اخطر ما في تحليل الخطة الحكومية هو البند المخصص للهيئة العليا للاغاثة التي حصلت على 57 مليون دولار لمساعدة اللبنانيين الآتين من سوريا والذين يقدر عددهم بـ50 الف شخص ويفترض ان لا شيء يميزهم عن مواطنيهم اللبنانيين الاخرين الغارقين في همومهم الحياتية والمعيشية، اضافة الى ان هذه الهيئة لم تسدد التعويضات حتى اليوم لمتضرري انفجار الاشرفية وبناية فسوح ولا لمتضرري حوادث طرابلس. والاغرب من كل ذلك ان الخطة تبرر صرف اموال الهبات تحت عنوان "تطبيق مبادئ الحكم الرشيد" وكأن لبنان جمهورية افلاطون. والخلاصة ان الحل الامثل هو المبادرة الى الاقتداء بتركيا وانشاء مخيمات للنازحين لتأمين ما يسمى بـ"الضبط الاحصائي" وضبط الخدمات والانفاق على الطبابة، والاهم الامن والتعليم لا ان تدخل الامور متاهة الاجتياح الديموغرافي لكل الانحاء اللبنانية.