كتبت ناتالي إقليموس في صحيفة "الجمهورية":
تشهدّ الطائفة السنية نزاعا حادا على انتخابات المجلس الشرعي الاسلامي الاعلى، تحوّل انقساما عموديا بين مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ محمد رشيد قباني وقيادات زمنية وروحية، ويأخذ في بعض جوانبه طابع نزاع بين المفتي وتيار «المستقبل»، تتمحور حولهما بالدعم والإسناد القيادات السنية الاساسية وفي مقدمها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الداعم للمفتي.
يرفض الأمين العام للمجلس الإسلامي الشرعي الأعلى الشيخ خلدون عريمط الحديث عن وجود "أزمة"، قائلاً: "في الحقيقة لا توجد أزمة بمعنى الأزمة، إنّما هناك وجهتا نظر، الأولى تعتبر أن لا مفرّ من الإنتخابات، أمّا الثانية فترتئي التمديد للمجلس الشرعي الاسلامي الأعلى، وكلّ من هذين الرأيين له مبرّراته التي تستند إلى معطيات وأجواء معيّنة".
ويذهب عريمط أبعد من النقاشات الدائرة حول التمديد للمجلس أو الإلتزام بإجراء الانتخابات في موعدها، قائلاً: "القضية أعمق من ذلك، وأخطر، وما يُحكى في العلن تفاصيل لا نفع منها. لم تعد المسألة مجرّد تباين في الرأي وإنّما في دور المجلس الشرعي الاسلامي الاعلى، وما هي مهامه، وما هو الدور الذي يجب أن يؤدّيه في توحيد الموقف الاسلامي في المرحلة المقبلة". ويدعو خلال حديث إلى الجمهورية: "إلى الإلتزام بوحدة الصف الإسلامي وضمان سلمه ودوره التاريخي المتكامل، وعدم السماح للصراعات المحلّية والإقليمية بالتسلل إلى داخل المؤسسة الشرعية الاسلامية، لأهل السُنّة والجماعة".
بنبرة حاسمة يشدّد عريمط على ضرورة الإسراع في إيقاف الجدل الحاصل والإحتكام إلى المصلحة العليا، "لا سيّما وأنّ وحدة اللبنانيين من وحدة المسلمين". ويضيف متأسّفاً: "من المؤسف أنّ هذا التباين في وجهتي النظر، لم يعد داخليّا فقط إنّما بدأت ملامح هذه القضية تتأثر بما هو حاصل على الساحة اللبنانية من صراع سياسي عمودي، بين الفرقاء اللبنانيّين". ويضيف: "لم يعد هذا التباين بين سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية والمجلس الشرعي الاعلى فقط، وإنّما بدأ يأخذ منحى مغايراً، في ظلّ وجود من يعمد إلى تعميق الهوّة بين وجهتي النظر من خلال تسويق الخلاف أو تجييش النفوس".
ويختم حديثه محذّراً: هناك من يريد تمزيق الطائفة السنّية، ليسهل عليه ابتلاعها، لأنّ الطائفة لا تزال عنصر الممانعة لرفض احتواء لبنان وتجييره لأطراف معينة".
لا نمانع الإنتخابات ولكن…
من جهته، يُعرب النائب نهاد المشنوق لـ"الجمهورية" عن إستيائه من محاولة البعض "صبّ الزيت على النار"، قائلاً: "يحاول البعض تظهير أنّنا ضدّ الانتخابات، بينما في الحقيقة نؤيّدها، ولكن ضمن الإلتزام بالشروط القانونية التي تنصّ على نشر لوائح الشطب للهيئة الناخبة، وتصحيحها وعدم إحداث أيّ فراغ".
في الوقت عينه، يردّ مسؤولون في تيار المستقبل، أسباب الهوّة الحاصلة بين مفتي الجمهورية محمد رشيد قباني وتيّار المستقبل، "إلى رغبة "قديمة جديدة" لدى المفتي في البقاء في منصبه مدى الحياة، وهو لن يتمكّن من إنجازها، ما لم يملك مجلساً شرعيّا طيِّعاً في متناول يديه". وتتابع المصادر عينها: "أمّا السبب الثاني للخلاف، فمردّه إلى الفساد المالي والإداري الذي رافق إسم إبن المفتي، منذ نحو 3 سنوات. لذا في مختلف الاحوال، يريد الإسراع في إقامة إنتخابات، بعدما جهّز الارضية اللازمة لضمان التجديد له".
ولا ينكر هؤلاء أنّ التيار يواجه معضلة،" قد يصعب حلّها، والأثمان التي قد يتكبّدها معنوية، فالدار يجب أن تبقى نقطة قوّة لتيار المستقبل، وليس من السهل ترميم التصدّع الحاصل في العلاقة". وتضيف: "تكمن الخطورة في الإزدواجية التي قد يؤدّيها البعض، فمنهم من يتصرّفون على نحو معيّن في العلن، بينما يضمرون العكس في الباطن، وذلك فقط من أجل تسجيل نقطة ضد تيار المستقبل". وتتابع: الله أعلمُ ما يقوم به ميقاتي من "تحت الطاولة".
من جهته، يرفض الوزير السابق عبد الرحيم مراد إحتساب دار الإفتاء على فئة، فيقول: "هي لا تخصّ شخصاً بحدّ ذاته، إنّما الطائفة السنّية برُمّتها، فالدار للجميع، على رغم الاخطاء السابقة التي واجهتها، لقد وصلنا إلى محطة إنتهاء مدّة مجلس الشرعي الأعلى، ولا بدّ من خوض الانتخابات في أوانها".
في وقت تنوّعت الآراء وتعدّدت وجهات النظر، تؤكّد أوساط شعبية داخل البيئة السُنّية أنّ القضية لم تعد مسألة "رمّانة" إنّما قلوب "مليانة"، وصراع سياسيّ آخرُ إهتماماته ضمان سلامة الطائفة ومؤسّسة دار الفتوى.