يصطنع الجنرال ميشال عون وتكتله الوزاري والنيابي الذكاء في مواقفهم السياسية المستجدة، على أبواب الانتخابات النيابية المنتظرة، فهم منذ فترة بدأوا يدّعون التمايز عن "حزب الله". وظهر ذلك في مواقفهم من قضية النازحين السوريين، إذ أكثروا من التصريحات، واتخذوا مواقف داخل مجلس الوزراء، وسرّبوا معلومات حول هذه المسألة، حيث خيل للبعض انهم بدأوا فعلاً سياسة النأي بالنفس عن "حزب الله"، لكن سرعان ما يتبين ان أسباب هذا السلوك انتخابية وهدفها التعويض عما خسروه شعبياً في الشارع المسيحي بسبب التصاقهم بالحزب الإلهي ومشروعه.
ويبرز في هذا الإطار السؤال: كيف يكون عون مع إغلاق الحدود ومنع النازحين من اللجوء إلى لبنان، وفي الوقت نفسه، يقف إلى جانب النظام السوري ويعلن من منبر الرابية ان "بشار الأسد لن يسقط"، في حين ان الذي يهجّر السوريين إلى لبنان هو حليفه الأسدي؟
لذلك فإن وجهة عون في هذا الموضوع مكشوفة، لعبة انتخابية يسعى من ورائها إلى كسب شعبي عبر تخويف المسيحيين من النازحين.
وتشير معلومات خاصة لـ"المستقبل" إلى ان عون ومن معه اتخذوا قراراً بتكبير حجر قضية النازحين، وهم يتجهون في هذا الإطار إلى تنظيم تحركات شعبية تواكب حراكهم السياسي والإعلامي ضد النازحين، بهدف الكسب الانتخابي، بعد محاولة عرقلة المعالجات المطروحة وابقاء علامات الاستفهام حول تواجد النازحين في لبنان، حيث من خلال هذا الطرح يظهر اسلوب تقديم الخدمات للنظام السوري الذي يسعى لاستعادة النازحين ووضع يده على الناشطين في المعارضة لذبحهم داخل زنزانات التعذيب أو اعدامهم وقتل عائلاتهم.
كرم: مواقف عبثية
ويؤكد النائب فادي كرم ان "عون يزايد في موضوع النازحين السوريين، ويلعب على الوتر الطائفي باستغلاله قضية إنسانية"، معتبراً ان تذكيره المسيحيين بالنزوح الفلسطيني المشؤوم "محاولة لتذكية ردات الفعل الطائفية، فهو اليوم يحتاج إلى حجج لخوض معركته على الساحة المسيحية". ويقول لـ "المستقبل": "من المعيب ان يتعاطى الجنرال وكل المزايدين امثاله التعاطي مع هذه المسألة الإنسانية بهذه الطريقة. ونحن ننظر إلى قضية النازحين من منظار مختلف كلياً. فنحن ندرك ان ليس لدى لبنان القدرة على معالجة هذا الملف وحده، ولذلك على الحكومة اللبنانية السعي للحصول على مساعدات من الأمم المتحدة ودول العالم حتى تحفظ الكرامة الإنسانية لهؤلاء النازحين".
ويحذر كرم من "التفكير بإعادة بعضهم إلى سوريا من أجل ذبحهم من قبل النظام السوري، لأن هذه مسألة خطيرة جداً ويجب عدم السكوت عن مثل هذا الطرح".
ويجد كرم ان محاولات عون إظهار نفسه بصورة مختلفة لدى جمهوره عبر تمايزه الشكلي مع "حزب الله" في قضية النازحين "مجرد مناورة انتخابية وهي مكشوفة ومعروفة". ففي كل مرة يستخدم التيار العوني مثل هذه الأساليب لكسب بعض الأصوات المسيحية، ومحاولته التميُّز شكلية، ونحن ندعوهم إلى التعاطي بجدية في هذا الملف، لأن التعاطي مع مسألة إنسانية بحسابات الربح والخسارة الانتخابية حرام".
ويرى ان "التيار العوني بطروحاته في قضية النازحين يقدم خدمة للنظام السوري، لأنه يضغط على النازحين الهاربين من الموت ويريد إعادتهم إلى سوريا أي إلى جحيم القتل".
وعما إذا كانت الساحة المسيحية تتقبل طروح عون في هذا المجال، يقول كرم: "لدينا قناعة بأن الشارع المسيحي لم يعد يتفاعل مع هذه التصرفات والمواقف العبثية التي تعمل على إثارة الغرائز وتبتعد عن الجدية في طرح قضايا جدية، دورنا كفريق آخر يسعى إلى لبنان المؤسسات واحترام شرعة حقوق الإنسان ولبنان الذي يحترم الأمم المتحدة، ان نوضح للبنانيين ان المجتمع المسيحي بالذات مع حقوق الإنسان ومع تنفيذ شرعتها على الأراضي اللبنانية".
الزغبي: عون يناور
ويجد عضو الأمانة العامة في قوى 14 آذار الكاتب والمحلل السياسي الياس الزغبي ان موقف تكتل ميشال عون في مجلس الوزراء بإقفال الحدود أمام النازحين، "ليس سوى موقف دعائي مكشوف. فمسألة قبول "حزب الله" ورفض تكتل عون مناورة معروفة، فعون لا يستطيع التفلت من التحاقه الكامل بمشروع "حزب الله" وعبره مشروع النظام السوري وولاية الفقيه، لذلك هو يناور لثلاثة دوافع:
– الدافع الأول: ارتباطه بمحور الأقليات الكبرى والصغرى في المنطقة من إيران إلى الأسد إلى "حزب الله" إلى إسرائيل.
– الدافع الثاني: الارتباط المادي الكامل والمكتسبات المالية والسياسية من خلال الصفقات والحسابات المفتوحة، ومن خلال كتلة من الوزراء والنواب لا يحلم بتحقيقها في أي وقت، وهي المرة الأخيرة التي يمكن ان يحصل بها على مثل هذه الكتلة من 10 وزراء و27 نائباً.
– الدافع الثالث: هو دافع انتخابي سياسي بحت، فهو أصيب بدوار ورعب من نتائج الاستطلاعات حول شعبيته في البيئة المسيحية. وقد تهاوت هذه الشعبية بشكل كبير خلال السنوات الأربع الأخيرة منذ انتخابات 2009، فهو اليوم لا يستطيع تجميع نصف المسيحيين كما كان عليه الأمر سابقاً.
ويوضح: "اليوم تؤكد استطلاعات الرأي ومتابعات الرأي العام ان عون شخصياً لا يملك أكثر من 15% من المسيحيين يضاف اليهم ما يجمعه فريق 8 آذار وتحديداً "حزب الله" من المسيحيين وينضم اليهم "المردة" والحزب "السوري القومي الاجتماعي" ومن يدور في فلك هذا الفريق من شخصيات سياسية مثل ايلي سكاف وجبران طوق ومخايل الضاهر، كل هؤلاء مجتمعين لا يتعدون 43%. وهذا بالنسبة له ولحساباته بمثابة الكارثة السياسية ".
ويشير الزغبي الى ان "هذا الواقع جعله يبدأ منذ فترة بإعلاء الصوت الطائفي والمذهبي في محاولة لتعويض بعض مما خسره وتحديداً عند المسيحيين. ولذلك يعتمد اليوم خطتين، خطة اقفال الحدود في وجه النازحين السوريين وخطة قانون الانتخاب، عبر كلامه المزايد عن القانون الارثوذكسي وسواه فهو يظن ان ذلك سيحقق بعض التعويم المسيحي له. ولكن الجميع بات يدرك غايته المكشوفة. لذلك لا أتوقع له من خلال هذه المناورات والاساليب التي يتبعها ان يستطيع تعويض ما خسره سياسياً وشعبياً".
وبالنسبة الى موضوع النازحين يسأل الزغبي: "لو كان النازحون بمعظمهم من مؤيدي النظام هل كان ميشال عون رفع عقيرته وصوته وسبابته وهدد بالويل والثبور". ويؤكد: "هو لجأ الى اسلوب آخر بعيد عن الدقة والواقعية حين وضع الطائفة السنية بأكملها في خانة الارهاب والتكفير وقال ان هناك ديناً جديداً هو "التكفير والهجرة" أي ان كل السنة بالنسبة اليه "تكفير وهجرة" و"ارهابيين"، كلهم "بن لادن" و"زرقاوي" و"عبسي". هذه مسألة مشينة ومخجلة للمسيحيين بتراثهم وحضورهم وانفتاحهم وثقافتهم".
وينبه من "خطورة هذا الرجل الذي يستخدم المسيحية والمسيحيين كوسيلة لبلوغ غايته الشخصية"، ويقول: "ربما يجب أن يتداعى المسيحيون الى كشف خطورة هذا الرجل الذي لا يرعوي ولا يتردد في استخدام أسوأ الأساليب لتحقيق اهدافه الخاصة".
ويشدد الزغبي على ان "العونيين هم مع النظام السوري ومع من يدور في فلك هذا النظام والمرتبطين به، ولو كان معظم النازحين من فريق النظام السوري من العلويين او المسيحيين المؤيدين للنظام او السنة المؤيدين للنظام هل كان سيقف هذا الموقف؟. النازحون بمعظمهم من المعارضة التي تتعرض مناطقهم للقصف والتنكيل من قبل النظام، فهل كل ليرفع صوته بالمطالبة باقفال الحدود لو كان العكس صحيحا؟. إذاً المسألة سياسية بحت لمصلحته الشخصية، هو يريد مساعدة النظام لأنه يعرف ان النازحين هم ضد النظام ولو كانوا معه لكان شرع الابواب ولم ينبس ببنت شفة".
ويرى ان للمسألة وجهين "وجه مذهبي ونوع من التعصب الطائفي والمذهبي لدى ميشال عون الذي يدعي انه علماني وديموقراطي هذا هو الوجه القبيح لعون بالنسبة الى المسيحيين. ولذلك على المسيحيين بمرجعياتهم الكبرى الروحية والسياسية وعلى الراي العام المسيحي ان يحاسب هذا الرجل في القريب العاجل لئلا يجر ما بقي معه من مسيحيين الى مصير اسود، المسألة انه لو كان يذهب وحده في هذا الاتجاه وينزلق لكان الامر سهلا، ولكنه ما زال يجر معه بعض المسيحيين الذين ما زالوا مخدوعين بموقفه وسياسته. ولذلك، يجب التنبه من قبل المرجعيات المسيحية وتحديداً الروحية كي يضعوا حدا لهذا الرجل".
ويدعو الزغبي الى "وقف سموم الرابية لان عون يبث السموم في بعض العقول ويثير الحساسيات ويجر المسيحيين البسطاء الى كارثة"، سائلا: "هل يقبل عون أن يقول أي زعيم مسلم ان كل المسيحيين هم القس "جونز" الذي أحرق القرآن في اميركا؟ أو أن يقول أن كل المسيحيين مسؤولون عن الكاريكاتور الدانماركي عن النبي محمد؟ هل اصبح اليوم كل السنة بيئة حاضنة كما يقول عون للارهاب والتكفير والهجرة، هذا أغرب ما بلغه اي خطاب سياسي لأي زعيم بالحد الادنى للزعامة. فكيف اذا كان يدعي انه زعيم مسيحي؟ انا كمسيحي ارفض ان يتحدث باسمي مثل هذا الرجل".
بالخلاصة اذن، كل مزايدات عون أصبحت معروفة لدى الرأي العام اللبناني، وهو فقد مصداقيته في أكثر من محطة، وإن كان يريد الصعود من الهاوية على ظهر النازحين السوريين من جديد، فهو لن يجد آذاناً صاغية في الشارع المسيحي الذي خبره أكثر من مرة، وبات يدرك ان "الحيل" الانتخابية لن تمر عليه خصوصاً وان سياسة "التكفير" التي يعتمدها مفضوحة ولن تجديه نفعاً.