#adsense

لديمقراطية حقيقية في دول الربيع العربي

حجم الخط

تحاول القوى المتضرّرة من الربيع العربي أن توصّف التغيير بأنّه مدّ سنّي ونموذج جديد من أسلمة الحكم في العالم العربي، على شاكلة ما يحدث في مصر. وإذا كان هذا الخوف في مكانه، إلّا أنّه لن يكون الرداء الوحيد الذي ستلبسه المنطقة برُمَّتهـا، فرداء الديمقراطية آتٍ لا محالة وإن طال زمنه. ولا يجوز تصنيف التغيير في مصر أو سوريا بـ "لا" ديمقراطية قد تكون هناك أفضل من الديمقراطية الموجودة في لبنان والتي تحكمها تقاليد سياسية بائدة وفساد سياسيّ وإداريّ.

وإذا عدنا إلى التحوّلات في بعض البلدان التي انتقلت أنظمة الحكم فيها إلى الديمقراطية ، نجد أنّها سرعان ما اعتنقت ديمقراطية متقدّمة ليس من السهل انتقادها، فمن ظواهر التغيير الساطع، على سبيل المثال، أن انضمّت رومانيا نيكولاي تشاوشسكو والمجر جانوس كادار وبولونيا فوسييش جاروزلسكي وغيرها من دول البلطيق إلى الإتحاد الأوروبي لتعانق في أنظمتها ديمقراطيّات عريقة مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا في مسيرة واحدة، بعد انعتاقها عن أنظمة القمع والجوع وحصر السلطات بيد الزعيم والبوليس السرّي وغياهب أقبية المخابرات، التي ورثت أسلوب الحكم عن الأنظمة الماركسية والفاشستية بمعناها التوتاليتاري وليس بمعناها الإنساني.

غداً لن يلتهم الدين الحكم طويلاً في بلدان الربيع العربي لأنّ العولمة في مفهومها الآخذ في الإنفلاش في كلّ بقعة يعتاش فيها ومنها الإنسان، لم تعُد تقف عن حدود الأنظمة الشمولية، فحركة رؤوس الأموال وتكنولوجيا الإتصالات والإنتشار السريع للعلم والمعرفة وتبادل الأفكار وسرعة الحصول على المعلومات، إضافة إلى دور الفضائيات التي تربط العالم ببعضه، كلّ ذلك جعل الإنسان يخرج من قمقم الخوف ليصل إلى قدرة لا متناهية على تغيير مواقع الحكم بما يحقّق طموحاته. فالإسلام السياسي بذاته لن يستطيع أن يوصد الأبواب بوجه هذه الحركة القوية، حتى إنّ المواجهات التقليدية الدينية (المدّ الفارسي في الخليج مثلاً) بات لها في المقابل مواجهات أكثر عملانية، فالواقع الديني بات معروفاً في العالم كلّه. فبعد شبه خسارة أحد أبرز أطراف الحلف الإيراني بأدواته الكاملة، عنينا به نظام الحكم في سوريا، لن تتمكّن إيران من لعب الورقة اللبنانية على النموذج المعروف كأن يُحذِّر "حزب الله" من "7 أيّار أكبر" ، فإنّ سقف أيّ تحرّك مماثل مقبل سيكون محكوماً بردود فعل إقليمية قد تجعله يندم على الساعة التي فكَّر فيها بتغيير قواعد اللعبة بالقوّة. وكما أنّ تحريك الشارع الشيعي في الخليج لن يكون له صداه في المستقبل يوم تجعل دول الخليج من اتّحادها واقعاً ملموساً على النموذج الأوروبي، فلن تتمكّن حينها هذه الشوارع من تطويق العروش في الخليج واحداً تلوَ الآخر وفقاً لما ترغب، لأنّ مواجهة هذا التحرّك (كما هو الحال في البحرين أو الكويت) ستجعل من الورقة الإنتخابية للصوت الشيعي أداة تقليدية مبتذلة عندما تنتقل دائرة الإقتراع إلى إطار الإتّحاد الخليجي، وعندها سيخسر المشروع الفارسي ورقة أخرى كان يعتقدها حصان طروادة لمدّه في الخليج.

وعليه فإنّ ظاهر الأمور والتجارب التاريخية دلّت إلى أنّ الأفق الديمقراطي آخذ في الإتّساع، وبات له أكثر من نموذج كلّما حكمت الضرورة ذلك، مدفوعة بإرادة حيّة للإنسان الراغب في تطوير دوره الوجودي، لينتقّل من سلعة إلى محرّك صغير في تسونامي كبير إسمه "الحق الإنساني" في أن يعيش ويموت كريماً، لا تحكم حياته ظروف وحاجات إقتصاديّة، بل رؤى حضارية تنقله من دور الخائف إلى دور المساهم في تعزيز قيمة الفرد ومساواته أمام القانون، ودوره الإيجابي في نقل المجتمعات من عالم الخوف والجوع والعوز إلى عالم الإكتفاء والرخاء واستعادة الحقوق بأساليب ديمقراطية. وعليه، ولو جاءت نتائج بعض الإستفتاءات في مرحلة إنتقاليـة غير مشجّعة، إلّا أنّها حركة بسيطة في مسار طويل آخذ في الإنتشار بصورة سريعة، لن تكون للعصبيات الدينية أو للمتحكّمين في إرادة الشعوب بقوّة السلاح قدرة على إيقافه.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل