هي المربعانية بلغة أهل الضيعة، أهلي، أي الفترة الشديدة المطر والثلوج التي تبدأ عادة من عيد الميلاد، وتمتد الى ما بعد عيد الغطاس. كانوا يقولون "بين الغطاس والميلادي اياك تسافر يا غادي"، لان من "المولود (اي عيد الميلاد) للمعمود (اي الغطاس) بتوقف المي عمود" وذلك لفرط الصقيع. أمثال رائعة فيها كل الدفء.
طبعا لم تكن يومها طرق الضيعة اوتوسترادات، ولم تكن ستي تحمل الكومبيوتر وتبحث عبر الانترنيت عن أحوال الطقس على مدى الايام العشرة المقبلة، ولا من كان يكترث أصلا ما اذا كان طريق ضهر البيدر مقطوع بسبب تراكم الثلوج، فكل شي كان جاهزا لاستقبال الغطاس ومربعانيته. الصوبيا تهدر دفئا، المقلاة تهدر بالزيت الحامي لاستقبال الزلابية والعويمات، القطايف صُفت مرصوص قبل ليلة، والاهم من كل ذلك، حضّرت ستي العجينة، زينتها بكل ما يحمل قلبها من حب، هيّأت أكواب المياه على عدد أبنائها السبعة وفي قعر كل منها قطعة نقدية، ربع ليرة، زرعت الشموع عند النوافذ وتحت المنوَر وفي قلب الليوان الكبير، وانتظرت الـ 12 ليلا.
الضيعة كلها في انتظاره. يأتي الدايم دايم، يقرع كمن يهمس على الابواب. بالكاد نسمع حفيف ثوبه، ولكن عاصفة حب تهب في المكان، هو يهمس ولكنه يشعل فينا ذاك الحنين البريء الخصب، الى كل ما هو صاف وجميل ونقي، الى الضيعة الراقدة بجنون في هواجس انسان حائر في دنياه، حنين الى عمق ايمان ابيض لم تشوهه شائبة الشك والتفلسف والكبرياء.
تخرج ستي دائما في تلك الليلة من بيت الذاكرة والشوق لتعود امرأة تضج بالحياة، تغزل حكاية عيد الغطاس وكأنها هي من صنعت أساسا تلك الحكاية، وحاكت من حولها أخبار الضيعة والمدينة قطبة قطبة مثل برداية الدانتيل التي كانت تنتظر من خلفها حفيف الدايم دايم. تقف ستي الى نافذة الضيعة، لا تنام قبل مجيئه، هي التي اعتادت النوم بعد انطفاء أول شعاع لنهار متعب طويل في يومياتها القروية، تصلّي المسبحة تلو الاخرى، وبين المسبحة والمسبحة، تنظر بطرف عينيها الزرقاوين وتخبرنا حكاية من قديم زمانها، وخصوصا يوم زوجوها وهي لم تتجاوز الـ 14 عاما.
في ليلة الغطاس، تقف ستي عند عمر مراهقتها ذاك لتعود عاشقة مزهوة القلب تنتظر يسوع… صارت 12 يا ستي. هرعت الى الباب، سمعته، رأته، انحنت مع الاغصان له، ركعت لمجده، لحنانه المنهمر علينا رغم كل أخطائنا، قبّلت طرف ثوبه والعينين المشعّتين بالنور، امتلأت من ضيائه، دخلت الى الحلم وما زالت هناك، وهو ما زال يجول بيننا، ينقر بهدوء النسيم على نوافذ الضيعة والمدينة، يبارك العجين والماء والمال والقلوب المشتاقة الى نفحة من لهاثه فينا…
