كتبت ريتا صفير في "النهار":
كما في البحر الابيض المتوسط، كذلك في المحيط الهادئ. هنا، بين "مثلث" لبنان وقبرص واسرائيل "صراع" بحري، "حلبته" المنطقة الاقتصادية الخالصة على خلفية احتوائها على موارد نفطية. وهناك، بين اليابان والصين ملامح حرب بحرية حول جزر سينكاكو. من مسبباتها نزاع حول السيادة على اراض تعود "جذور" ملكيتها الى نظام ارسته الحرب العالمية الثانية وما سبقها، فيما تبرز في خلفياتها ايضا "عقدة" النفط استناداً الى دلائل عن وجود موارد مماثلة في المنطقة كما يقول اليابانيون.
وفي الحالتين، تكاد وسائل المواجهة تتشابه. ففي الفترة الأخيرة، تعددت الخروق الصينية بحرا (62 زورقا دخلت المياه الاقليمية اليابانية 18 مرة) بحسب الخارجية اليابانية، بالتزامن مع اصدار بيجينغ قانونا في شأن البحار الإقليمية والمناطق المجاورة يعتبر الجزر جزءا منها.
وقد عدّت هذه الاعمال علامة من علامات التصعيد الذي استكمل نهاية الشهر الماضي بخروق جوية للاجواء وصفته الخارجية اليابانية "بأنه "عمل خطر من شأنه رفع حدة التشنج" .
اما على الجبهة المتوسطية، فتظهر جولات السفن الحربية التركية قبالة الشواطئ القبرصية سابقا والتهديدات اللبنانية – الاسرائيلية المتبادلة ملامح عسكرة محتملة للنزاع على الثروات البحرية، وقت شكل الاتفاق الاسرائيلي – القبرصي للترسيم البحري احد "الاسلحة" التشريعية التي شهرت في وجه لبنان، على خلفية قضم 860 كيلومترا مربعا من حقوقه.
في مقال نشرته "الهيرالد تريبيون" الشهر الماضي، تناول وزير الخارجية الياباني السابق كويشيرو غامبا "عمق" الصراع الآسيوي، فكتب قائلا في مستهل افتتاحية في هذا الخصوص:" تركزت المخاوف الامنية العالمية في العشرية الاخيرة، على التطورات في الشرق الاوسط، حيث يبقى الوضع هناك هشا مقلقاً. وباتت اخيرا البيئة الامنية في المحيط الآسيوي – الهادئ غير مستقرة ومبعث قلق متنام كما يبدو انطلاقا من اعادة التوازن الاستراتيجي الاميركي حيال المنطقة".
وقد مثلت الخروق الصينية والاحتجاجات التي اندلعت في مناطق صينية بالتزامن مع رشق مؤسسات ديبلوماسية بمواد خطرة وتنفيذ أعمال عنف ضد مواطنين يابانيين، مصدر قلق لطوكيو التي اكدت عبر خارجيتها "الرد في شكل حاسم على اي خرق جوي بموجب التشريعات الداخلية"، متهمة الصين بتصعيد الوضع من جانب احادي. الا ان اليابان وعدت في الوقت عينه بان تتعاون مع جارتها الآسيوية "لجعل بحر شرق الصين بحر سلام وتعاون وصداقة عبر تعزيز الثقة المتبادلة بين السلطات البحرية ومواصلة المشاورات الثنائية".
ضمن هذه المقاربة، ينفي اليابانيون ان تكون جزر سينكاكو جزءا من الأراضي التي تخلت عنها بلادهم وفقا لمعاهدة سان فرنسيسكو للسلام التي رسمت حدود الأراضي اليابانية بعد الحرب العالمية الثانية ووقعتها 48 دولة. وهم يقولون ان هذه المناطق وضعت تحت إدارة الولايات المتحدة كجزء من جزر نانسيي شوتوكو، علما انه تم الاعتراف بمعاهدة سان فرنسيسكو ضمن معاهدة السلام الصينية – اليابانية التي أبرمتها اليابان مع جمهورية الصين (تايوان) عام 1952.
ومن وجهة النظر اليابانية، منحت طوكيو الحقوق الإدارية على جزر نانسيي شوتوكو ومنها جزر سينكاكو طبقاً للاتفاق الياباني – الاميركي حول جزر ريوكيو وجزر دايتو عام 1971. وهي تعزز مقاربتها هذه بتأكيد مفاده ان حكومتي الصين وتايوان بادرتا بمطالبتهما بالسيادة على الجزر تزامنا مع دراسة للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لآسيا والشرق الأقصى (ECAFE) تحدثت عن احتمال وجود موارد نفطية في بحر الصين الشرقي.
في المقابل، يستعيد الصينيون تاريخ مطالباتهم السيادية على هذه المناطق والتي تعود الى القرن التاسع عشر. آنذاك شكلت الصين محور دول آسيوية، بينها الجزر المتنازع عليها، والتي تولت دفع بدلات لها اقرارا بدورها المركزي.
واذا كانت طوكيو تعول على تطبيق هذه المبادئ وفقا للقوانين البحرية الدولية، على قول غامبا، فهي تذكر ايضا بمبادرات طبعت تاريخ النزاع الحديث وتضمنت شراء الحكومة اليابانية الجزر من مواطن محلي وفقا للقانون المدني في ايلول 2012. وقد قوبلت الخطوة برد فعل صيني انطلق من انهزام اليابان في الحرب العالمية الثانية، ومحاولتها راهنا قلب النظام العالمي الذي أرسي بعدها.
وفيما يزداد الكلام عن امكان تحويل القضية كلها الى محكمة العدل الدولية، تطرح مجموعة اسئلة: هل تنحو ازمة الموارد النفطية في البحر الابيض المتوسط المنحى ذاته عبر فض النزاع من خلال التوجه الى المؤسسات الدولية المعنية، ام تتظهر بشائر تسوية في منطقة عانت طويلا من الصراعات على اختلافها؟